بينما تتعالى تكبيرات العيد من مآذن المساجد، وتفوح رائحة طبخ أطباق اللحوم الشهية بأشكالها المختلفة في البيوت، تبرز لغة عالمية لا تحتاج إلى ترجمة، لغة "العيدية". تلك القطعة الورقية التي رغم صغر حجمها أحيانا، تحمل بين طياتها تاريخا من الكرم الشعبي، ودلالات اجتماعية وثقافية تتجاوز قيمتها المادية.
فالعيدية ليست مجرد نقود، بل هي "صك محبة" تتوارثه الأجيال، ورغم أن المبدأ واحد في معظم بقاع الأرض الإسلامية، إلا أن التفاصيل تختلف وتتشكل حسب ثقافة كل شعب، لتصنع لنا ما يمكن تسميته "قاموس العيدية".
ظهرت العيدية في العصر الفاطمي في مصر أواخر القرن الرابع الهجري، وكان لها أسماء مختلفة مثل "الرسوم" و"التوسعة". وكان الخليفة يخرج من قصره صبيحة يوم العيد، وينثر الدراهم والدنانير الذهبية على من أتى من عامة الناس للمعايدة.
مع مرور القرون، انتقلت هذه العادة من القصور السلطانية إلى بيوت عامة الناس، لتتحول من "منحة رسمية" إلى "واجب اجتماعي" وعاطفي يقدمه الكبار للصغار. وتغير شكل العيدية لتستقر على نقود تُوزّع على أفراد العائلة الواحدة، وتختلف حسب الفئة العمرية.
يحكي لنا أحمد من مصر ويقول: "ترتبط كلمة عيدية عندي بذكريات الطفولة، وكيف كنت أحب رائحة النقود الورقية الجديدة، ذات العملات المختلفة، حيث كان أهلي يحرصون على توفير كميات من الفئات النقدية الصغيرة والجديدة، ويمنحونها لنا كعيدية مما يولد لدينا شعورا طفوليا بالثراء. وأجري مع أقاربي لصرف العيدية، وشراء البمب والصواريخ (المفرقعات الشعبية)، وتأجير العجل، وركوب المراجيح (الأراجيح) التي كانت تُنصب طوال أيام عيد الأضحى الأربعة".
ويكمل أحمد حديثه: "وعلى الرغم من طلب أبنائي تحويل العيدية لحساباتهم البنكية، إلا أنني حريص على إعطائهم النقود الجديدة في كل عيد، حتى يتعودوا عليها وتظل في ذكرياتهم كما ارتبطت طفولتي بها".
💬 التعليقات (0)