في أزقة قطاع غزة المثقلة بآثار الحرب، لم يعد العيد يُشترى من الأسواق المكدسة بالبضائع، بل يُصنع داخل ورش صغيرة وخيام نزوح متواضعة. يقود هذه المهمة أشخاص من ذوي الإعاقة وضحايا العدوان المستمر، الذين أصروا على ممارسة مهنهم رغم الإصابات الجسدية البليغة، محاولين رسم ملامح الفرح على وجوه أثقلها الحصار والنزوح.
يجلس الخياط يحيى النجار، البالغ من العمر 56 عاماً، خلف ماكينة خياطة وحيدة هي كل ما تبقى له بعد تدمير مصنعه الذي كان يضم عشر ماكينات. النجار الذي فقد حاسة السمع وأصيب بكسور بليغة في قدمه استدعت تركيب بلاتين، يواصل عمله بدقة متناهية، محولاً قطع القماش القديمة إلى ملابس جديدة تليق ببهجة العيد المنتظرة.
تلعب ياسمين، ابنة الخياط يحيى، دوراً حيوياً كجسر تواصل بين والدها والزبائن، حيث تترجم لغة إشارته إلى كلمات وتكتب التفاصيل الفنية على الورق. هذه الشراكة العائلية تتحدى شح الموارد وغلاء أسعار الخيوط والإبر، وتعمل على تلبية احتياجات العائلات التي تبحث عن 'ستر' جديد لأطفالها من بين الركام.
تتحدث ياسمين عن قصص مؤثرة تمر بورشة والدها، منها أم أحضرت ثوباً مهترئاً استخرجته من تحت أنقاض منزلها لتطلب تحويله إلى ملابس لطفلتيها. هذه اللحظات تختصر واقع الحال في غزة، حيث تتحول الغرزة الواحدة إلى فرصة للحياة، والتعديل البسيط في القماش يصبح طريقاً وحيداً لإسعاد طفل في صباح العيد.
وعلى جبهة أخرى من الصمود، يقف الحلاق الشاب محمد أبو حسين (20 عاماً) على ساق واحدة، مستنداً إلى عكازه داخل خيمة نزوح ضيقة. أبو حسين الذي بترت قدمه في قصف استهدف مخيم جباليا، لم يستسلم للإعاقة، بل عاد لممارسة مهنته التي تتطلب وقوفاً طويلاً لساعات تتجاوز الـ13 ساعة يومياً خلال موسم العيد.
يصف أبو حسين معاناته اليومية مع التوازن والألم الذي يتراكم في ساقه السليمة، مؤكداً أن ابتسامة الأطفال بعد الحلاقة تنسيه تعب الجسد. ورغم وقوعه المتكرر في البداية، إلا أن إرادته كانت أقوى من العكاز، حيث يرى في تنسيق شعر الشباب والأطفال واجباً وطنياً للحفاظ على كرامة المظهر العام في العيد.
💬 التعليقات (0)