تشير التحولات الجيوسياسية الراهنة في المنطقة والعالم إلى أن معايير القوة التقليدية، المعتمدة على الثروات الطبيعية والموقع الجغرافي، لم تعد كافية وحدها لتفسير صعود الدول أو أفولها. فالتجارب المعاصرة تبرهن أن النخب السياسية والفكرية هي المحرك الأساسي الذي يحول الموارد الخام إلى مشاريع نفوذ وحضور تاريخي فاعل.
إن جوهر الصراع الإقليمي الدائر اليوم يتجاوز النزاع على الحدود أو الموارد، ليصبح في عمقه صراعاً بين رؤى ونخب تمتلك تصورات استراتيجية واضحة. فالنخبة التي تنجح في بناء المؤسسات وإدارة المعرفة وربط الهوية بالمصالح الوطنية، تستطيع فرض دولتها كلاعب إقليمي مؤثر حتى في ظل محدودية الإمكانات.
تبرز التجربة التركية كنموذج لإعادة تعريف دور الدولة، حيث نجحت النخبة هناك في الموازنة بين الهوية القومية والطموح الجيوسياسي. وقد استثمرت أنقرة بشكل مكثف في الصناعات الدفاعية والتعليم والاقتصاد الإنتاجي، مما منحها قدرة عالية على المناورة في ملفات شائكة تمتد من شرق المتوسط إلى إفريقيا.
في المقابل، تقدم إيران نموذجاً يعتمد على 'الصبر الاستراتيجي' وتراكم النفوذ عبر عقود من الزمن رغم الحصار الخانق. فقد ركزت النخبة الإيرانية على مركزية العقيدة والهوية، وربطت الأمن القومي بالتصنيع العسكري وبناء شبكات نفوذ إقليمية ممتدة، محولةً العقوبات إلى دافع لبناء قوة ذاتية.
أما الاحتلال الإسرائيلي، فقد بنى مشروعه على معادلة التفوق النوعي الدائم في مجالات التكنولوجيا والأمن والبحث العلمي. واستطاعت نخبته بناء شبكات ضغط قوية في مراكز القرار العالمي، رغم ما يواجهه هذا المشروع من أزمات أخلاقية وانقسامات داخلية تهدد استقراره على المدى البعيد.
وفي القارة الإفريقية، استطاعت النخبة الإثيوبية صياغة طموح قومي تمثل في 'سد النهضة' كرمز للسيادة الوطنية. ورغم التحديات العرقية والفقر، نجحت أديس أبابا في توظيف الجغرافيا والمياه لتعزيز حضورها كقوة إقليمية صاعدة في منطقة القرن الإفريقي.
💬 التعليقات (0)