أمد/ تشكل ظاهرة هجرة الكوادر المهنية المتخصصة إحدى أدق المؤشرات الدالة على مستوى الاستقرار البنيوي للدول وقدرة نظمها السياسية على إدارة مواردها القومية، وفي حالة إيران لم يعد خروج الكفاءات يمثل مجرد حراك ديموغرافي تقليدي يسعى وراء فرص معيشية أفضل بل تحول إلى أزمة حادة ومستمرة تستنزف عصب التنمية المستدامة.
إن دراسة هذه الظاهرة انطلاقاً من التحولات الراهنة في بيئات العمل الرعائي والهندسي والتكنولوجي، وتفكيك عوامل الجذب والدفع الحاكمة لها تتيح فحص الآثار المتشابكة التي تمس الأمن القومي والاقتصادي الإيراني بعيداً عن السجالات السياسية المباشرة.
أوضاع القطاع الصحي.. من الاكتفاء إلى التعرية والفقر المهني
انتقلت أزمة هجرة العقول في إيران خلال السنوات الأخيرة من كليات الهندسة والعلوم الأساسية لتضرب بعمق قطاع الرعاية الصحية، وهو قطاع حيوي يرتبط ارتباطاً عضوياً بالأمن الاجتماعي واستقرار الدولة، وتشير إحصاءات المجلس الطبي الإيراني إلى أن آلاف الأطباء والممرضين يتقدمون سنوياً بطلبات للحصول على وثائق حسن السيرة والسلوك بهدف تسيير إجراءات الهجرة؛ حيث تؤكد تصريحات مسؤولي النقابات الطبية الرسمية في طهران رصد عجز متنامٍ في شغل مقاعد الإقامة للأطباء المقيمين في تخصصات جراحية حرجة مثل جراحة قلب الأطفال وجراحة المخ والأعصاب.
هذا النقص الكبير لا تقتصر تبعاته على الداخل بل يمتد ليعيد صياغة المؤشرات الصحية للبلاد حيث باتت مستشفيات حكومية رئيسية تواجه تمديداً في قوائم الانتظار وضغوطاً تشغيلية فائقة.. وإن استمرار هذا المنحى التصاعدي الذي ترصده هيئات دولية معنية بالصحة العامة ليهدد بتقويض المكتسبات الطبية التي حققتها البلاد على مدار العقود الماضية، ويضع السياسات العامة أمام خيار قسري مكلف يتمثل في احتمالية العودة إلى استيراد العمالة الطبية الوافدة لإدارة المنظومة العلاجية.
الأثر الاقتصادي الكمي.. استنزاف الرأسمال السيادي وعزلة الداخل
💬 التعليقات (0)