أمد/ تحمل المحطات التاريخية في الفضاء السياسي الإيراني المعاصر أبعاداً تتجاوز البُعد الرمزي؛ لتتحول إلى مؤشرات ميدانية تقيس وتيرة التفاعل بين السلطة والمعارضة، ومدى قدرة كل طرف على فرض معاداته في العمق الحركي للبلاد.. وفي هذا السياق تأتي الأنشطة الميدانية المنسقة لـ "وحدات المقاومة" في الخامس والعشرين من مايو تزامناً مع ذكرى تأسيس منظمة "مجاهدي خلق" واغتيال نواتها الأولى لتسلط الضوء على ديناميكيات الصراع الداخلي الإيراني ومآلاته السياسية.
إن انتشار هذه الفعاليات عبر جغرافيا متباينة تعكس تنوعاً إثنياً واقتصادياً وثقافياً ممتدة من العاصمة طهران إلى كرج، وأصفهان، وسنندج، وآمل.. إنه انتشارٌ يستدعي تفكيكاً بنيوياً لأدوات العمل الميداني، والتحولات في استراتيجيات المواجهة وانعكاساتها على استقرار البيئة الأمنية والاقتصادية في إيران.
الاختراق الاتصالي وتحدي المنظومة الأمنية
يمثل استخدام تقنيات العروض الضوئية المبتكرة ونصب اللافتات الضخمة في شوارع حيوية كالعاصمة طهران ومنطقة ملك شهر في أصفهان تحولاً نوعياً في تكتيكات وحدات المقاومة التابعة لمنظمة مجاهدي في الداخل، ومن الناحية الهيكلية تعتمد العقيدة الأمنية لدى نظام الملالي الحاكم في إيران على الرقابة الرقمية والبشرية الصارمة، والانتشار المكثف للأجهزة الاستخباراتية وقوات التعبئة (البسيج) في المراكز الحضرية الكبرى.. وبناءً على ذلك فإن نجاح هذه الوحدات في تنفيذ عمليات منسقة ومتزامنة يشير إلى تنامي قدراتها المرتكزة على خبرات ميدانية وكذلك تُشير إلى جود ثغرات في جدار الردع الأمني.. أو على أقل تقدير تطور في القدرات اللوجستية لشبكات الداخل من حيث التعبئة والمناورة والتخفي.. هذا الاختراق يتجاوز التأثير البصري الفوري ليحمل رسالة سياسية موجهة للجمهور المحلي مفادها أن القدرة على كسر حواجز القمع لا تزال قائمة مما يساهم في خلخلة مفهوم "السيطرة المطلقة" الذي تسعى السلطة لتكريسه كأداة للقمع الاجتماعي.
الامتداد الجغرافي والدلالات السوسيولوجية
لم تعد الأنشطة الميدانية محصورة في بؤر تقليدية أو أطراف جغرافية معزولة بل اتسمت بـ لامركزية واضحة شملت مدناً ذات ثقل ديموغرافي واقتصادي وإثني متباين؛ فاختيار سنندج (حاضرة كردستان إيران) إلى جانب مدن صناعية وتجارية كبرى مثل كرج وأصفهان وآمل يعكس استراتيجية واضحة لبناء قواسم مشتركة بين المطالب الإثنية والمظالم الاقتصادية والحياتية العامة تحت مظلة خطاب سياسي موحد.. هذا الترابط الجغرافي يشير إلى أن الخطاب الداعي إلى التغيير الهيكلي يحاول التغلغل في بيئات اجتماعية مختلفة مستفيداً من حالة الاحتقان الناجمة عن الضغوط المعيشية والانسداد السياسي، ومن المنظور الاستراتيجي فإن تشتيت الجهد الأمني للنظام عبر جبهات مدنية متعددة ومتباعدة يمثل عبئاً لوجستياً وعملياتياً كبيراً يصعب احتواؤه على المدى الطويل دون تكاليف سياسية وبشرية باهظة.
💬 التعليقات (0)