أمد/ في الوقت الذي تخطو فيه الجامعات العالميّة العريقة خطوات عملاقة غير مسبوقة في التّاريخ في صنع الإنسان وبناء المجتمع وصناعة الحاضر والمستقبل، فإنّ جامعاتنا العربيّة –إلّا من رحم ربيّ- تسير –بكلّ سبق إصرار وتصميم- نحو الهاويّة، ولم يظلّ منها سوى حدود جغرافيّة تربض على صدورنا، وتمزّق آمالنا، وتحتلّ مساحات عمرانيّة كبيرة لا قيمة لها في مدننا وعواصمنا ومحافظاتنا، وذلك كلّه على أيدي (السّادة الأوغاد الأفاضل!) الذين سرقوا جامعاتنا متنكّرين على صور إدارات جامعيّة منحطّة، وهيئات تدريسيّة رجعيّة، وقوانين عرفيّة باليّة، وحكومات مترهّلة مثقلة بالفساد والانشغال بالسّرقات والمحسوبيّات والنّهب المليونيّ والملياريّ، وحدّث عن أكثر من ذلك دون حرج.
كي لا أطيل على نفسي وعلى القرّاء الأكارم، فلن أطبّل لجامعاتنا العربيّة وفق المعتاد، أو المُنتظر منّي ومن غيري، ولن أعدّد منجزاتها الوهميّة السّرابيّة التي لا وجود لها إلّا على ورق تقارير الإدارات الجامعيّة الفاسدة، وفي نشرات الإعلام المأجور لا سيما الجامعيّ منه؛ إذ يتصدّى الكثيرون من المهرّجين في ثياب إعلاميين في الجامعات والوزارات المعنيّة بذلك للعب هذا الدّور القذر؛ فهم رجال ونساء المهمّات القذرة، وهم المُستقطَبون لهذه المهمّة بالتّحديد، وهي تزويق الأداء الجامعيّ الرّديء، ووضع مكياج له يخفي ملامحه الشّوهاء وفساده المشين وعيوبه المنفّرة، وهم يجتهدون في ذلك أيّما اجتهاد، لكنّهم لا ينجحون بعد ذلك كلّه إلّا في التّرقّص كالقرود دون جدوى إلى حدّ أنّهم يثيرون الاشمئزاز في الأنفس إلى حدّ الرّثاء لهم، أو التّقزّز منهم، كما هو حالي.
وأنا عندما أتحدّث عن التّعليم الجامعيّ في جامعاتنا العربيّة، فأنا لا أعني به فقط التّعليم في المرحلة الجامعيّة الأولى (البكالوريوس)، أو ما يقابل هذه التّسمية من تسميات مختلفة على امتداد الجامعات العربيّة، بل أعني به ابتداءً التّعليم المدرسيّ كلّه في مراحله جميعاً؛ إذ هو العتبات الأولى نحو الانهيار، مروراً بالمرحلة الجامعيّة الأولى، انتقالاً إلى مراحل الدّراسات العليا، وقوفاً مليّاً عند الهيئات التّدريسيّة والعمل البحثيّ والعمل الإداريّ الجامعيّ، وكلّ ما يرتبط بذلك، ويدور في فلكه من تفاصيل طويلة.
لكن الحديث عن ذلك ليس ذا شجون، بل هو ذو مصائب وأوجاع ونكسات وفجائع لا حصر لها؛ لذلك أكتفي بإشارات سريعة وبارقة، في ضوء اقتراح أن يكون حديثي هذا مقارنة مفتوحة بين التّعليم العربيّ المتهاوي بقصد قاصدين، وبين التّعليم العالميّ الصّاعد بأنظمته وأبنائه ومنتسبيه، ومثالٌ على ذلك التّعليم الفنلنديّ الذي يُعد تعليماً رياديّاً في كوكب الأرض، وأنا شخصيّاً شاهد عليه على امتداد 35 عاماً متّصلاً عشتها في فنلندا، وما أزال، وكنتُ ذاتي من حصيلة هذا التّعليم العريق، كما هم الآن أبنائي وبناتي في مراحل تعليميّة متفاوتة من الحضانة إلى الجامعة في تخصّصات متنوّعة، فضلاً عن المدارس المهنيّة التي تُعدُّ حرفين مهرة بارعين، لا تصنع عبيداً أذّلاء كما هو الحال في وطننا العربيّ الذين نظر نظرة دونيّة إلى الحرفة والحرفيين.
أوّل مصائب التّعليم في الوطن العربيّ وفق رأيي: أنّه غدا بامتياز استحقاقاً واستقاطباً لـ (المعاتيه) و(خاملي الذّكاء والقدرات والمروءة والنّباهة) في ظلّ سعار العصابات الأكاديميّة والمجتمعيّة التي قرّبت الأغبياء ومحددي القدرات أو معدوميها، ووهبتهم العلامات العليا والشهادات الجامعيّة وأبحاث التّرقيات، وعيّنتهم في الجامعات، ورقّتهم درجة علميّة تلو أخرى، وأوصلتهم إلى أرفع المناصب الجامعيّة والبحثيّة والعلميّة بقوّة الواسطات والمحسوبيّات والجهويّات والحزبيّات والإقليميات والتّنفّعات وغيرها من أطوار الفساد والانحطاط والهدم في المجتمع العربيّ من منطلق أنّ هدم المجتمعات يكون بتخريب التّعليم أوّلاً.
النّتيجة ماذا كانت؟ هي باختصار: أكوام من الموظّفين والأساتذة الجامعيين والإداريين الجامعيين والتّعليميين ومن ثم الموظّفين في كلّ مفصل من مفاصل المجتمع العربيّ المفرغين تماماً من الضّمير والقيم والموهبة والقدرة والعلم والإنجاز والانتماء، في إزاء قلّة من النّخب المبدعة الذّكية الوطنيّة المخلصة القادرة على الإبداع والابتكار ودفع المجتمع إلى الأمام.
💬 التعليقات (0)