بين أزقة بلدة كترمايا في إقليم الخروب، لا تزال ذاكرة السابع من يونيو عام 1982 حاضرة بكل آلامها، حين تحولت البلدة الهادئة من ملاذ آمن للنازحين إلى ساحة للموت والدمار. ففي اليوم الثاني للاجتياح الإسرائيلي للبنان، باغتت الطائرات الحربية الأهالي بغارات مركزة استهدفت قلب البلدة النابض بالحياة.
كانت كترمايا في ذلك الحين تعج بسكانها والوافدين إليها هرباً من جحيم القصف في الجنوب، ظناً منهم أن موقعها في قضاء الشوف بعيد عن خطوط المواجهة المباشرة. إلا أن الاحتلال الإسرائيلي تعمد استهداف التجمعات المدنية المكتظة لضرب الروح المعنوية للسكان وإيقاع أكبر قدر من الخسائر البشرية.
المجزرة وقعت تحديداً في حي الجامع، وهو المركز التجاري والسكني الأبرز في البلدة، حيث كان الأهالي يجتمعون في 'خلية الجامع' لتقديم واجب العزاء بشقيقين استشهدا في قصف سابق. وفي لحظة غادرة، انهمرت الصواريخ على رؤوس المعزين، محولة المكان إلى ركام يختلط فيه صراخ الجرحى بأنقاض المباني.
تؤكد الشهادات التاريخية أن الغارتين لم يفصل بينهما سوى دقيقتين فقط، وهو تكتيك عسكري يهدف لرفع حصيلة الضحايا عبر استهداف فرق الإنقاذ والمواطنين الذين يهرعون لمساعدة المصابين في الضربة الأولى. هذا التوقيت القاتل جعل من عملية النجاة أمراً شبه مستحيل لمن كان في محيط الانفجار.
أسفرت هذه الجريمة عن ارتقاء نحو 40 شهيداً، من بينهم أسماء لا تزال محفورة في وجدان البلدة مثل الدكتور حسين يونس وفاطمة محمد ملك وأحمد السيد أحمد. كما أصيب المئات بجروح متفاوتة، وبقيت جثامين بعض الضحايا تحت الأنقاض لفترات طويلة بسبب استمرار التحليق المكثف للطيران المعادي.
تعتبر كترمايا من أكبر قرى إقليم الخروب وأكثرها كثافة سكانية، وتبعد عن العاصمة بيروت نحو 41 كيلومتراً، مما جعل استهدافها رسالة ترهيب واضحة للمناطق المحيطة بالعاصمة. وقد وثقت التقارير الأرشيفية دمار أحياء كاملة وفقدان عائلات بأكملها لمنازلها ومصادر رزقها في ذلك اليوم الدامي.
💬 التعليقات (0)