لم يكن نهار عرفة يشبه الأيام التي عرفها الفلسطينيون يومًا. في مخيم المغازي وسط قطاع غزة، كان السكان يحاولون التمسك بما تبقى من هدوء هذا اليوم، داخل بيوت أنهكها القصف والجوع والخوف، قبل أن يتحول النهار فجأة إلى ساحة إطلاق نار وصراخ وملاحقات. مع ساعات الصباح، أعلن عن استشهاد أربعة مواطنين في المخيم، بينما دوّت أصوات الرصاص والطائرات في الأحياء الشرقية للمغازي، حيث تحدث شهود عيان لموقع " الترا فلسطين" عن تسلل مجموعة من “مليشيات العملاء” إلى المنطقة قرب مسجد حسني. يقول أحد السكان إن المجموعة تمركزت داخل أحد المنازل، قبل أن تبدأ عمليات إطلاق نار مكثفة عبر قناصة انتشروا في المكان. “لم نفهم ما الذي يحدث في البداية، فقط سمعنا الرصاص بشكل متواصل”، يقول الرجل الذي كان محاصرًا داخل منزله مع عائلته. بعد دقائق، تغيّر كل شيء. يضيف الشاهد: “سمعنا صوت صاروخ أطلقته طائرة استطلاع، وبعدها مباشرة سمعنا صراخ أفراد المليشيات وهم يصرخون: انسحبوا.. انسحبوا، وكأن الطائرات كانت تؤمن لهم طريق الخروج”. لكن الانسحاب لم ينهِ الرعب. فحتى بعد تراجع المجموعة، بقيت أصوات الرصاص المتقطع تُسمع في أنحاء المخيم، فيما حلقت الطائرات المروحية على ارتفاع منخفض فوق المنازل، بينما التزم السكان بيوتهم خوفًا من القنص أو الاستهداف. ويقول شاهد آخر إن الأهالي لم يتمكنوا حتى من الخروج لمعرفة مصير المصابين أو الوصول إلى المنطقة المستهدفة بسبب كثافة إطلاق النار وتحليق الطائرات. “الأطفال كانوا يبكون طوال الوقت.. لا أحد شعر أن هذا يوم عرفة”، يقول أحد السكان. وأشار مصدر محلي إلى أن مواطنًا واحدًا على الأقل تعرض للاختطاف من المنطقة خلال العملية، وسط غموض يحيط بمصيره حتى الآن. هكذا استقبل قطاع غزة نهار عرفة؛ لا أصوات تكبيرات، ولا استعدادات للعيد، ولا أسواق مكتظة أو أطفال بملابس جديدة. فقط طائرات استطلاع، وقناصة، وبيوت مغلقة على الخوف، وعائلات تحاول النجاة حتى المساء. في غزة، حتى الأيام المقدسة تمر تحت النار.
ومنذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار مطلع عام 2026، وثّقت الجهات الحكومية والحقوقية في غزة أكثر من 1300 خرق ارتكبها الاحتلال، شملت عمليات قصف وإطلاق نار وتوغلات ونسف منازل، ما أدى إلى استشهاد ما لا يقل عن 800 فلسطينيًا وإصابة أكثر من 1400 آخرين. وهكذا تبدو الهدنة مجرد اسم على الورق، فيما يستمر المدنيون في دفع الثمن يوميًا؛ عائلات تُفجع، وبيوت تُقصف، وأيام مقدسة تتحول إلى مواسم جديدة للخوف والموت.
💬 التعليقات (0)