منذ انطلاقتها في ستينيات القرن الماضي، شكلت حركة فتح العمود الفقري للمشروع الوطني الفلسطيني، وكانت العنوان الأوسع للنضال الفلسطيني بكل مراحله، من الكفاح المسلح إلى العمل السياسي والدبلوماسي. قادت الثورة الفلسطينية، وقدمت آلاف الشهداء والأسرى والجرحى، واستطاعت أن تضع القضية الفلسطينية على خارطة العالم بعد سنوات طويلة من التهميش والضياع.
لكن حركة فتح اليوم ليست هي ذاتها التي عرفها الفلسطينيون في بدايات الثورة. فبعد اتفاق اوسلو ودخول الحركة في مسار السلطة الوطنية، تغير شكلها ودورها واولوياتها. تحولت من حركة تحرر وطني الى حركة تحمل اعباء السلطة والحكم، ودخلت في تعقيدات السياسة والاقتصاد والتنسيق والواقع الاقليمي والدولي. هذا التحول أضعف صورتها لدى جزء كبير من الشارع الفلسطيني، خاصة مع تراكم الازمات الداخلية والانقسام الفلسطيني وتراجع الثقة بالمؤسسات الرسمية.
بعد أحداث السابع من أكتوبر، دخلت القضية الفلسطينية مرحلة شديدة الخطورة والتعقيد. العالم تغير، والمنطقة تعيش صراعات مفتوحة، والاحتلال يستغل كل الأحداث لفرض وقائع جديدة على الارض، فيما يعيش الشعب الفلسطيني حالة من القلق والانقسام وعدم وضوح الرؤية. وفي خضم هذه المرحلة، عاد الحديث بقوة عن حركة فتح، ليس فقط باعتبارها الماضي، بل باعتبارها ربما آخر إطار وطني جامع قادر على حماية المشروع الوطني من الانهيار الكامل.
ورغم الانتقادات الكبيرة التي وجهت للمؤتمر الثامن لحركة فتح، إلا أن مجرد انعقاده لاقى اهتماماً واسعاً من الشارع الفلسطيني. الناس ما زالت تراقب "فتح"، تختلف معها أو تغضب منها، لكنها تدرك أن غيابها أو ضعفها ليس أمراً عادياً. فـ"فتح" بالنسبة لكثيرين ليست مجرد تنظيم سياسي، بل حالة وطنية ارتبطت بتاريخ الشعب الفلسطيني وهويته السياسية.
صحيح أن نتائج المؤتمر لم تحقق رضا كاملاً، وصحيح أن هناك شعوراً لدى البعض بان الحركة تحتاج الى تغيير اعمق واوسع، لكن دخول بعض الوجوه الجديدة وعودة النقاش الداخلي أعطى إشارات بان فتح ما زالت تملك فرصة للمراجعة والتجديد. والسؤال الحقيقي اليوم لم يعد: ماذا قدمت فتح سابقاً؟ بل ماذا نريد من فتح الآن؟
نريد من فتح أن تعود قريبة من الناس، لا من السلطة فقط. نريدها أن تستعيد روح الحركة الوطنية التي تجمع الفلسطينيين ولا تقسمهم. نريدها أن تعترف بالأخطاء بشجاعة، وأن تفتح الباب أمام الشباب والكفاءات والقيادات الميدانية الحقيقية. نريدها أن تكون حركة مقاومة سياسية ووطنية تحافظ على الثوابت الفلسطينية، وفي الوقت نفسه تمتلك رؤية واقعية تحمي الشعب الفلسطيني من الانهيار والفوضى.
💬 التعليقات (0)