لم تعد ازمة الملف النووي الإيراني مجرد صراع على نسبة تخصيب اليورانيوم أو عدد أجهزة الطرد المركزي، بل تحولت إلى اختبارٍ قاسٍ لشكل النظام الدولي وحدود القوة الأمريكية نفسها، والى مرآة تعكس ازمة ترامب اكثر من ازمة طهران، فالرجل الذي عاد الى البيت الابيض بشعار الحسم السريع، واوهام الصفقات الكبرى، اكتشف أن الشرق الأوسط لا يعمل بمنطق شركات العقارات، وأن إيران ليست خصماً يمكن اخضاعه بتغريدة، بحاملة طائرات أو حتى بسلسلة عقوبات.
العالم يريد شيئاً واحداً الآن؛ مضيقاً مفتوحاً، ونفطاً متدفقاً، أما بقية شعارات ترمب عن إسقاط النظام، أو تغيير الشرق الأوسط فلم تعد تجد من يشتريها، حتى داخل واشنطن نفسه، والمفارقة أن ترامب الذي طالما هاجم اتفاق اوباما النووي بوصفه مذلاً لأمريكا، يجد نفسه اليوم محاصراً بنفس الأسئلة التي واجهت أوباما، ولكن بظروف أكثر تعقيداً وأقل قابلية للمناورة.
أوباما فاوض إيران وهو يدرك حدود القوة الأمريكية بعد نكساتها في العراق وافغانستان، اما ترامب فقد دخل المفاوضات بعقلية "الكل أو لا شيء"، إذ لم يعد التفاوض أداة للوصول إلى تسويات بقدر ما أصبح أداة لفرض الاستسلام الكامل، لكن طهران ليست سلطة محاصرة تعتمد على المساعدات، وهذه هي العقدة التي يواجهها ترمب الآن.
الحرب التي جرى التلويح بها لإسقاط النظام فقدت معناها قبل أن تبدأ، فبعد قرابة نصف قرن من العقوبات والاغتيالات والضغوط، وقرابة خمسة آلاف نوع من العقوبات الأمريكية والدولية، لم يسقط النظام ولم تظهر مؤشرات على انهياره داخليا، بل على العكس، بدا أكثر تماسكاً وقدرة على التكيف، حتى داخل مراكز التفكير الامريكية بات الحديث يدور عن فشل استراتيجية الخنق الاقتصادي، واستحالة انتاج نموذج عراقي جديد في ايران، وهنا تحديدا تبدو أزمة ترمب الحقيقية، إذ كيف يمكن إعلان النصر في حرب لا أحد يعرف كيف ستنتهي، أو ما الذي سيحدث بعدها؟
الصين زادت المشهد تعقيداً، فترمب الذي كان يراهن على أن بكين ستضغط على طهران، أو على الاقل ستتجنب معاكسة رغباته، صدم بعكس ذلك تماماً، بكين تعاملت ببرود محسوب، وتركت ترمب يعود خالي الوفاض تقريبا، رسالتها كانت واضحة، الخيار العسكري ليس فقط مكلفاً، بل مرشح للفشل أيضاً، والعالم لا يحتمل مغامرة جديدة تشعل حرب طاقة، وتدفع الاقتصاد العالمي لركود واسع، ولهذا، بدا ترمب كأنه يقاتل على جبهتين في وقت واحد؛ جبهة ايران وجبهة صورته، صورة الرئيس الذي لا يخسر.
المضحك المبكي أن ترمب لا يبحث فعلياً عن حرب شاملة، فهو يدرك أن شهية الأمريكيين للحرب تراجعت بشكل غير مسبوق، وأن أي مغامرة عسكرية قد تتحول إلى عبء انتخابي، لذلك يبحث عن صورة نصر سريعة؛ مضيق مفتوح، أسعار طاقة مستقرة، لكن هذه الأهداف نفسها تكشف عبثية السردية الأمريكية، لأن مضيق هرمز كان مفتوحاً، والمرور مجانياً، والطاقة تتدفق وبأسعار مستقرة.
💬 التعليقات (0)