في الغرفة الضيقة التي استأجرتها بعد نزوحها، كانت نهاية الجندي ترتب ما تبقى من حياتها داخل حقيبة بلاستيكية صغيرة؛ أوراق ثبوتية نجت من الدمار، وصورة قديمة لابنتها، ومفتاح منزل لم يعد قائمًا. تقول الناشطة المجتمعية من مخيم نور شمس شرق طولكرم: “خرجنا على أمل العودة بعد أيام، لكننا عدنا لنجد الشوارع ممزقة والبيوت ركامًا”. منذ بداية العملية العسكرية الإسرائيلية الواسعة في مخيمات شمال الضفة الغربية ضمن عملية اسماها الاحتلال “الجدار الحديدي” في يناير/كانون الثاني 2025، دخل مخيم نور شمس مرحلة غير مسبوقة من التهجير والهدم، دفعت آلاف السكان إلى مغادرة بيوتهم قسرًا. لكن جذور العدوان على المخيم تعود إلى ما قبل ذلك، إذ شهد نور شمس منذ أواخر 2023 سلسلة اقتحامات واسعة خلّفت قتلى ودمارًا كبيرًا في البنية التحتية والمنازل، قبل أن تتوسع العمليات بشكل أكبر بعد أكتوبر/تشرين الأول 2023. تروي نهاية كيف خرجت العائلات تحت أصوات الرصاص والجرافات، يحمل الناس ما استطاعوا من ملابس وأدوية، بينما بقي الأثاث والذكريات مدفونة داخل البيوت. “حتى دفاتر المدرسة وألعاب ابنتي بقيت هناك”، تقول وهي تحاول إخفاء ارتجاف صوتها. ومع اتساع العمليات العسكرية، تحولت أحياء كاملة داخل المخيم إلى مناطق شبه خالية من السكان. ففي مارس/آذار 2025 دفعت قوات الاحتلال بجرافات عسكرية لهدم 11 منزلًا في حي المنشية داخل المخيم، بعد 21 يومًا متواصلًا من العمليات العسكرية، ما تسبب في تهجير آلاف السكان من مخيمي نور شمس وطولكرم. وبحسب تقارير أممية، فإن حجم الدمار داخل مخيم نور شمس وصل إلى مستويات غير مسبوقة؛ إذ أظهرت صور الأقمار الصناعية حتى مايو/أيار 2025 أن نحو 35% من مباني المخيم تعرضت للتدمير أو الأضرار الجسيمة. ومع استمرار العدوان على مخيم نور شمس منذ يناير/كانون الثاني 2025، تحولت أزقته الضيقة إلى مساحات من الركام والنزوح. فبحسب لجان الخدمات المحلية وتقارير حقوقية، تعرض أكثر من 11,500 فلسطيني للتهجير القسري من المخيم والأحياء المحيطة به، فيما دُمّرت نحو 750 وحدة سكنية بشكل كامل، وتضررت أكثر من 1,600 وحدة أخرى، في واحدة من أكبر موجات التهجير التي شهدتها مخيمات شمال الضفة منذ سنوات. كما هدمت قوات الاحتلال 25 بناية تضم أكثر من 100 منزل، بعد تهجير سكانها قسرًا، بينما تشير التقديرات إلى نزوح ما يزيد على 30 ألف فلسطيني من مخيمات نور شمس وطولكرم وجنين. وبين بيتٍ هُدم، وعائلةٍ شُردت، وشارعٍ مُحي من الوجود، يبقى أهالي المخيم متمسكين بما تبقى لهم؛ مفاتيح البيوت، وذاكرة المكان، وإيمانهم بأن الركام لا يستطيع اقتلاع حكاية اللاجئين من أرضهم.
التهجير هنا لم يكن مجرد مغادرة منزل، بل اقتلاع كامل للحياة اليومية؛ أطفال انقطعوا عن مدارسهم، مرضى فقدوا استقرارهم، وعائلات تعيش في انتظار مجهول لا يبدو قريب
💬 التعليقات (0)