واحدة من الكليشيهات التي يحاول كثيرون تجنبها -رغم صدقها- هي أن حضور الممثل لا يقاس بحجم الدور أو عدد المشاهد التي يتصدرها. هذه الجملة بالذات تبدو مناسبة لقراءة مسيرة الممثل المصري فتحي عبد الوهاب.
منذ بداياته لم ينشغل عبد الوهاب بتثبيت صورته كنجم أو مطاردة البطولة المطلقة، بقدر ما انحاز إلى نوع مختلف من الأدوار، شخصيات لا تسعى بالضرورة إلى كسب تعاطف المتفرج، لكنها تفرض حضورها تدريجيا، لينتهي الأمر بأن يكون هو أكثر من يعلق في الذاكرة من بين طاقم الممثلين. لم يكن ذلك مجرد "تنويع" في الأدوار، بل تشكل مع الوقت كأسلوب تمثيلي يحمل بصمته الشخصية بوضوح.
منذ التسعينيات لم يكن فتحي عبد الوهاب بعيدا عن المسار العام لجيله. بدأ من المسرح مع محمد صبحي، المنصة التي خرج منها كثير من الممثلين الذين لمعوا في بداية الألفية الجديدة، مثل هاني رمزي. ثم انتقل إلى السينما منتصف العقد نفسه، فشارك في أفلام مثل "طيور الظلام" و"بخيت وعديلة" مع عادل إمام، وهي الأعمال التي تحولت آنذاك إلى ما يشبه "معملا" لإعداد أسماء الجيل التالي، من محمد هنيدي وعلاء ولي الدين إلى أشرف عبد الباقي وغيرهم.
لاحقا ظهر عبد الوهاب في أعمال جماهيرية وأخرى فنية، مع حضور تلفزيوني مبكر، وهو مسار لا يبدو استثنائيا في حد ذاته، بل يعكس حالة جيل دخل الصناعة في لحظة تحول: الكوميديا الجماهيرية في طريقها للهيمنة مع بداية الألفية، وبزوغ ما عرف لاحقا بجيل "المضحكين الجدد".
في تلك اللحظة بدا أن فتحي عبد الوهاب يتحرك في مسار مواز لا يبتعد كثيرا في البداية عن هذا التيار. فبينما يقدم محمد هنيدي وأحمد السقا، ثم لاحقا محمد سعد وأحمد حلمي، أفلاما ذات قبول جماهيري واسع، يسير عبد الوهاب في خط متعرج: بعض الكوميديا الخفيفة، وأعمال ذات أبعاد اجتماعية مثل "فيلم ثقافي"، ومسلسلات ناجحة مثل "أميرة في عابدين". لكن بينما تحولت تجارب "المضحكين الجدد" إلى مسار ثابت قائم على إعادة إنتاج الشخصيات نفسها، بدأ عبد الوهاب يبتعد تدريجيا عن هذا الخط، دون رفع شعار القطيعة.
خلال الألفينيات، ومع اتساع فيلموغرافيته، بدأت اختياراته تميل إلى مناطق أكثر تعقيدا في أفلام مثل "سهر الليالي" و"فرحان ملازم آدم". هنا يمكن رصد لحظة الافتراق الحقيقية: في الوقت الذي كان فيه "جيل المضحكين الجدد" يرسخ حضوره عبر وضوح الشخصية وقابليتها للاستنساخ، كان فتحي عبد الوهاب يتجه إلى العكس تماما، نحو أدوار لا تصلح لأن تتحول إلى نمط واحد.
💬 التعليقات (0)