أصدر البابا ليو الرابع عشر، اليوم الإثنين، اعتذاراً رسمياً يُعد الأكثر صراحة ووضوحاً في تاريخ الكنيسة الكاثوليكية، معترفاً بالدور التاريخي الذي لعبته المؤسسة في شرعنة ممارسات العبودية. وأقر البابا في رسالته العامة الأولى بأن الكنيسة تأخرت لقرون طويلة في التنديد بهذه الممارسة اللاإنسانية، مؤكداً أن هذا الإرث يمثل جرحاً غائراً في ذاكرة المسيحية المعاصرة.
وجاء في الرسالة البابوية التي حملت عنوان 'الإنسانية الرائعة' طلباً مباشراً للعفو، حيث عبر الحبر الأعظم عن حزنه العميق تجاه المعاناة التي كابدها الملايين تحت نير الرق. وأوضح ليو الرابع عشر أن سلطات الكنيسة خضعت في حقب تاريخية معينة لضغوط الحكام، مما أدى إلى تنظيم ممارسات قمعية شملت استعباد غير المسيحيين وتبريرها دينياً.
وتجاوز هذا الاعتراف المواقف التقليدية للباباوات السابقين، الذين كانوا يلقون باللوم على تصرفات أفراد مسيحيين بصفاتهم الشخصية، حيث أقر البابا ليو بالمسؤولية المؤسسية المباشرة للفاتيكان. وكشف أن مؤسسات كنسية رسمية كانت تمتلك عبيداً بالفعل خلال العصور الوسطى، وهو اعتراف يضع الكنيسة أمام مواجهة مباشرة مع تاريخها المظلم في هذا الملف.
وتكتسب شخصية البابا ليو الرابع عشر أهمية خاصة في هذا السياق، كونه أول بابا ينحدر من الولايات المتحدة الأمريكية، وقد أظهرت أبحاث الأنساب أن جذوره تمتد إلى عائلات ضمت عبيداً وملاك عبيد على حد سواء. هذا التنوع في أصوله الشخصية أضفى صبغة من الواقعية والتأثير على رسالته التي تسعى لترميم العلاقة مع الشعوب التي تضررت من سياسات الاستعمار والرق.
ولم تقتصر الرسالة البابوية على الجوانب التاريخية، بل امتدت لتشمل تحذيرات من 'عبودية حديثة' مرتبطة بالتطور التكنولوجي والاقتصاد العالمي المعاصر. وحذر البابا من التحديات الأخلاقية التي يفرضها الذكاء الاصطناعي، مشيراً إلى إمكانية ظهور أشكال جديدة من الاستغلال البشري إذا لم يتم ضبط هذه التقنيات بقيم الكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية.
ويأتي هذا الموقف الفاتيكاني متناغماً مع حراك دولي متصاعد، حيث اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة مؤخراً قراراً يعتبر تجارة الرق عبر المحيط الأطلسي من أخطر الجرائم ضد الإنسانية. وقد طالبت غانا، التي قادت هذا المقترح، بضرورة تقديم تعويضات عادلة للضحايا لمواجهة التبعات المستمرة لهذه الحقبة التي شهدت بيع أكثر من 12 مليون إفريقي.
💬 التعليقات (0)