أمد/ تحت سقفٍ من الصفيح، وجدرانٍ من القماش صنعها على عجل، ليُنشئ مملكته الصغيرة التي تستره وعائلته في رحلة النزوح الممتدة، كتب اليوم الرفيق تيسير محيسن. ربما على ضوء شمعة خافتة، أو تحت ظل شجرة زيتون بقيت ولم تمت، كتب مرة أخرى وجع غزة وجرحها النازف، ليعود إلى نصه الذي كتبه في تشرين الثاني/نوفمبر من العام ٢٠٢٣ حين قال: “إن غزة ليست القدس، وحتى إنها ليست كالقدس، لكن في غزة أيضاً ترى العجب… مدينة ممشوقة القد تغسل قدميها في مياه البحر وتمشط شعرها المنسدل على كتفي المنطار”. في الثامن من تشرين الثاني/نوفمبر ٢٠٢٣، وبينما كنت محاصراً برفقة عشرات المدنيين في جمعية الشبان المسيحية بمدينة غزة، والمدافع تطل من النوافذ، والجرافات تغرس أنيابها في الجدران والغرف والشهداء يسقطون تباعاً وندفنهم على عجل في ساحة الجمعية وهي تحترق ، كتبتُ نصاً جاء محاكاةً لما كتبه الرفيق تيسير يومها عن غزة التي كانت ما تزال تحاول أن تحافظ على صورتها الأولى، قبل أن تبتلعها ألسنة النار والركام. كان ذلك النص محاولة للتشبث بصورة غزة التي عرفناها غزة البحر والمقاهي والكورنيش وصخب الحياة، غزة التي كانت تمشط شعرها بمياه المتوسط، وتفتح نوافذها للشمس وللصيادين والعابرين والعشاق. واليوم، بعد أن عاد تيسير ليكتب وجع غزة من جديد، بدا وكأن النص القديم لم يعد يكفي لوصف هذا القدر الهائل من الخراب والاستنزاف الإنساني. فغزة لم تعد فقط مدينة تعرضت للقصف، بل مدينة أُبيدت روحها واستُنزفت إلى حدها الأخير، وصار الموت يطارد أطفالها حتى في أحلامهم القليلة. لهذا أكتب مرة أخرى… لا تكراراً للنص الأول، بل امتداداً له، ومحاولة جديدة لالتقاط ذلك الوجع الذي صار وجعاً مزمناً، أكبر من اللغة، وأثقل من أي قدرة على الاحتمال. غزة اليوم لا تركض كي تنجو، بل كي تؤجل موتها قليلاً. المدينة التي كانت تستيقظ على صخب الباعة، ورائحة الخبز، ونداءات البحر، تستيقظ الآن بوجوه شاحبة ونفوس مكدّرة على تعداد الغائبين. كل صباح فيها يشبه دفتر نعي مفتوحاً على اتساع مخيمات النزوح ومراكز الإيواء. الخيام لم تعد مجرد قماش مهترئ، بل أعمار معلّقة بخيط دخان، ترتجف كلما مرّت طائرة أو دوّى انفجار. في غزة، لم يعد الناس يسألون: ماذا سنفعل غداً؟ بل: من سيبقى منا حتى الغد؟ الأمهات هنا لا ينمن حقاً، يغمضن أعينهن فقط. يتركن نصف أرواحهن معلقة فوق صدور أطفالهن، يتحسسن أنفاسهم كل لحظة، ليس خوفاً من الموت فقط، بل من القوارض التي تنهش لحومهم الغضة في الخيام. وكأن النوم في غزة صار خيانة صغيرة للحذر. والآباء الذين كانوا يحملون أبناءهم إلى المدارس والحدائق، صاروا يجمعون أشلاء فلذات أكبادهم في أكياس، يحملونها إلى المقابر، أو ينتشلون أسماءهم من قوائم الشهداء. حتى البحر في غزة تغيّر. بحر غزة الذي كان يشبه نافذة مفتوحة على الحرية، حيث كنتُ كل بعد ظهيرة كل يوم أحمل سنارتي وأتربع على رصيف الميناء، ولا أعود إلا بوجبة سمك كان تيسير يستطيبها حين أدعوه ، هذا البحر نفسه صار اليوم مثل شاهدٍ عجوز يقف عاجزاً أمام المجزرة. الأمواج تبدو متعبة، كأنها تعبت من غسل الدم والرمل والرماد. والكورنيش الذي كان يمتلئ بالعشاق والرياضيين وباعة الذرة والقهوة، صار ممراً للنازحين، وذاكرة تمشي على قدمين حافيتين. قطاع غزة كله لم يعد مدناً تتلاشى فقط، بل اختباراً قاسياً لمعنى الإنسان. هنا طفل يتعلم أسماء الطائرات قبل أن يتعلم القراءة. وهناك طفلة تحفظ شكل الصاروخ أكثر مما تحفظ ألعابها. وهنا أمّ تخبئ قطعة خبز كما كانت الأمهات قديماً يخبئن الذهب. وهناك رجل يجلس أمام خيمته لا ينتظر شيئاً، فقط يراقب السماء كمن يفاوض القدر بصمت. لم يعد الخوف في غزة لحظة عابرة، بل صار أسلوب حياة. الناس لا يمشون في الشوارع، بل يعبرونها بحذر الناجين. الأبواب لا تُغلق اطمئناناً، بل تُترك مواربة تحسباً لركضة مفاجئة. حتى الأحاديث باتت ناقصة، يقطعها دائماً صوت انفجار، أو خبر عاجل، أو صرخة أمّ تعرّفت للتو على بقايا ابنها. وفي الليل، حين تخفت الأصوات قليلاً، يبدأ الرعب الحقيقي. هناك، تحت أقمشة الخيام الرطبة، يستلقي الناس وأعينهم معلقة بالسقف الواهن، يراقبون احتمالات الموت وهي تحوم فوقهم. الأطفال ينامون بأحذيتهم كي لا يضيع الوقت إذا اضطروا للهرب، والأمهات يضعن ما تبقى من أوراق ثبوتية وثياب خفيفة قرب رؤوسهن، كأنهن يتهيأن كل ليلة لقيامة صغيرة. ومع ذلك، كما يقول تيسير بعناد وصبر… ثمة شيء في غزة لا ينكسر. شيء يشبه تلك الزيتونة التي تبقى واقفة ولو احترق الحقل كله. شيء يشبه صياداً يصلح شباكه قرب بيت مهدّم، أو طفلاً يرسم شمساً على جدار خيمة، أو امرأة تكنس الركام أمام منزل لم يعد موجوداً إلا في ذاكرتها. لهذا تبدو غزة عصية على الهزيمة؛ لأنها كلما غرقت أكثر في الألم، تشبثت أكثر بفكرة الحياة والكرامة . غزة لا تريد شفقة العالم. تريد فقط أن يتوقف العالم عن التفرج على موتها. وستبقى، رغم كل هذا الخراب، المدينة التي تغسل قدميها بمياه البحر، لكنها اليوم تغسل أيضاً ضمير البشرية العاجز، وتكشف عري هذا العالم وهو يشاهد أطفالها يُذبحون بصمتٍ بارد.
أمين مجلس التعاون الخليجي: نعتبر حزب الله بكافة قادته وتنظيماته "منظمة إرهابية"
اليوم 88..حرب إيران: أجواء انتظارية لاتفاق إطار ونشاط سياسي متعدد
جيش الاحتلال يشن هجمات واسعة على البقاع وجنوب لبنان
فضيحة ..رئيس الشاباك يقطع علاقته بالمستشار القانوني ويستعين بآخرين من الخارج
مسؤول أمريكي: إدارة ترامب ستدعم تصعيد العمليات الإسرائيلية ضد حزب الله
💬 التعليقات (0)