أمد/ تحولت منصات التواصل من فضاء للتواصل الاجتماعي وبناء شبكة من العلاقات وتبادل الأفكار والخبرات والمعلومات إلى بيئة تتدخل في صناعة الإدراك الجمعي وتوجه السلوك العام وفق استراتيجيات وتحليل الاتجاهات والاهتمامات تقوده مؤسسات وشركات ضخمة لاتفهم الا لغة السوق وتحقيق الارباح في بورصة التكنولوجيا الجديدة بعيداً عن مراعاة منظومة القيم والاثار السلبية المترتبة عن فوضي المحتوي الرقمي. في العصر الرقمي تحول الإنسان من باحث عن المعرفة وبناء الأثر الحقيقي الي باحث عن مطاردة التفاعل الرقمي السريع والقبول الإلكتروني و انتقل من صانع للوعي إلى مستهلك دائم للانتباه باعتباره معياراً لقياس القيمة والنجاح والحضور العام. حتى القضايا الكبرى باتت تختصر في ترند يتصدر المنصات و تختزل المواقف في مقاطع قصيرة سريعة النسيان ففي هذه الحال ة، لا يعود الإنسان يرى نفسه كما هو في الواقع الحقيقي بل يراها كما تعكسه الشاشة والمنصات الرقمية. شيئاً فشيئاً اصبح الإنسان فريسة وضحية قياس حضوره بعدد الإعجابات والمشاهدات وحجم المتابعين وتحقيق الارباح بعيداً عن ما يمتلكه من فكر أو إنجاز أو تأثير حقيقي ذات قيمة مستدامة . ومع هذا التحول، نشأت حالة يمكن وصفها بـ الدونية الرقمية وهي شعور خفي بالنقص يتولد عندما تصبح صورة الإنسان الرقمية أهم من صورته في واقعه الحقيقي المعاش. حيث تجاوزت ظاهرة الدونية الرقمي الاستخدام المفرط للهواتف أو مواقع التواصل حيث تحولت إلى أزمة وعي مجتمعي تعيد تشكيل الإنسان وعلاقته بنفسه وبالآخرين. في هذا العالم الافتراضي تتحول المقارنة إلى سلوك يومي مرهق فحياة الاخرين تظهر بصورة مثالية ومصنوعة بعناية، بينما يشعر الفرد أن حياته أقل نجاحاً أو حضوراً. وإذا تراجع التفاعل أو غاب عن تصدر المنصات يتولد لديه شعور بالتهميش أو الإقصاء الرقمي، فيسعى باستمرار إلى لفت الانتباه و لو عبر محتوى فارغ أو استعراضي لا قيمة له (التفاهة الرقمية). فالخوارزميات نفسها لا تهتم وتكافئ دائماً المحتوى الأعمق أو الأكثر فائدة وذات قيمة بل تدفع نحو كل ما هو مثير وسريع وقابل للاستهلاك، ما أدى إلى صعود التفاهة الرقمية على حساب المعرفة والمحتوى الهادف والجاد الذي يسهم في بناء القيمة الاجتماعية والاخلاقية والهوية الثقافية. هذه الحالة لا تصيب الأفراد فقط، بل قد تصيب مجتمعات كاملة فحين تصبح الشهرة أهم من المعرفة والضجيج الرقمي أهم من القيمة الحقيقية ويصبح “الظهور” هدفاً بحد ذاته حتى لو كان بلا معنى وبلا فائدة فإننا امام التفاهة الرقمية. وهكذا يتحول الجمهور تدريجياً من منتج للوعي وللقيمة إلى مستهلك دائم للضجيج والانفعال اللحظي الذي لا يدوم في وعي المجتمع. ومع تكرار هذا النمط الخطير من الادمان الرقمي الذي بات يضعف قدرتنا علي التفكير العميق والتركيز تتآكل معه القدرة على الحوار والتحليل ليصبح الإنسان أسيراً للاعتراف الرقمي والظهور المستمر والذي يجعلنا نعيش مقارنة مستمرة مع صور مزيفة لحياة الآخرين. فالمشكلة لم تعد محصورة في التكنولوجيا ذاتها بل في الطريقة التي سمحنا بها للعالم الرقمي أن يعيد تعريف قيمتنا الإنسانية ويسرق وعينا ووقتنا ومعايير النجاح داخل المجتمع واقتحام جدار الحماية الاجتماعي والثقافي والاخلاقي . إن المجتمعات التي تجعل الشهرة والمؤثرين المفتعلين وابطال السوشيال ميديا والمتربحين والمسوقين للافكار بديلاً عن المعرفة والتجربة وجعل من التفاعل بديلاً عن القيمة، تتحول تدريجياً إلى مجتمعات مستهلكة للفرجة وغير قادرة علي انتاج الوعي والتغيير الواقعى. لذلك فإن مواجهة الدونية الرقمية لا تبدأ بالابتعاد عن التكنولوجيا، بل ببناء وعي رقمي جديد يعيد الاعتبار للفكر والمعرفة والإنجاز الحقيقي ويضع الإنسان فوق الخوارزمية التي تسعي لجعله دائماً تحت سلطتها وتأثيرها تدير الوعي واتجاهات الجمهور وفق استراتيجيات متطورة جاء اخرها الذكاء الاصطناعي كاحد التحديات الجديدة بين الاجيال لتعزيز منظومة الدونية الرقمية والتسليم بالخضوع الرقمي وتأثيره علي المجتمعات. بيت القصيد: لم تعد المعركة اليوم بين الإنسان والتكنولوجيا، بل بين وعي الإنسان والخوارزميات التي تسعى إلى توجيه انتباهه وسلوكه واستهلاكه اليومي انها معركة وعي وقيم وقدرة على حماية العقل الجمعي من الانزلاق نحو السطحية والتفاهة فالتحولات الرقمية المتسارعة تتطلب إعادة الاعتبار للإنسان بوصفه جوهر العملية الحضارية وعدم تركه وحيداً داخل منظومات الخوارزميات ومنصات الاستهلاك الرقمي. إن بناء فضاء رقمي أكثر اتزاناً ومسؤولية يبدأ من تعزيز التفكير النقدي، وترسيخ الثقافة والمعرفة، واستعادة دور الإنسان في توجيه التكنولوجيا، بدلاً من الخضوع لهيمنتها فالمجتمعات التي تفقد وعيها الرقمي، تفقد تدريجياً قدرتها على الفعل والتغيير وصناعة مستقبلها . فالتكنولوجيا وجدت أساساً لتكون امتداداً للعقل البشري وأداة لتطوير المعرفة والحياة ومساعدة الانسان في الابداع والتطوير والابتكار لكن الخطر يبدأ حين تتحول المنصات الرقمية من أدوات في يد الإنسان إلى أنظمة تتحكم في وعيه ووقته ومشاعره وتحرفه ليصبح مجبراً وأسيراً للتفاهة الرقمية. لذلك أصبحت الحاجة ملحّة لإعادة التوازن بين الإنسان ومنصات التواصل، بحيث يبقى العقل البشري هو القائد الحقيقي لهذا التطور وحمايته من أن يصبح الإنسان رويداً رويدا خاضعاً لسلطة الخوارزميات التي تدفعه نحو الإدمان الرقمي والتفاهة والاستهلاك السطحي المستمر للانتباه. فالمستقبل الصحي رقمياً ليس في رفض التكنولوجيا، بل في تطويعها لجهة بناء وعي رقمي متوازن قادر على استخدام المنصات دون أن يتحول إلى منتج خاضع لمنطق الهيمنة الرقمية مستسلماً لسياسة الشركات الكبري المتنافسة علي الاستحواذ والتحكم واستجلاب البيانات والتسويق و تحقيق مزيد من الارباح . ملاحظة: تشير التجارب الدولية المتصاعدة إلى تنامي القلق العالمي من التأثيرات العميقة لبعض التطبيقات والمنصات الرقمية على المجتمعات، بعدما تحولت في نظر كثير من الحكومات إلى أدوات قادرة على التأثير في الوعي والسلوك والبنية الثقافية. وقد اتجهت عدة دول أوروبية بالفعل إلى حظر أو تقييد بعض التطبيقات الرقمية نتيجة المخاطر الاجتماعية والنفسية والثقافية المرتبطة بها، فيما فرضت حكومات أخرى قيوداً على عدد من الألعاب والتطبيقات التي تسببت بأضرار صحية وسلوكية خطيرة لدى الأطفال والمراهقين. وفي موازاة ذلك، تصاعدت الصراعات السياسية والاتهامات المتبادلة بين الدول بشأن استخدام بعض المنصات كأدوات للغزو الثقافي، والتأثير على منظومات القيم والقدوة، وإضعاف تماسك المجتمعات من الداخل. كما لجأت بعض الدول إلى شراء أو إعادة هيكلة تطبيقات ومنصات رقمية بهدف توجيهها بما يخدم مصالحها الوطنية ويحافظ على أمنها الثقافي والاجتماعي. وفي ظل هذا المشهد، يبدو العالم أمام صراع مفتوح لا يتعلق بالتكنولوجيا وحدها، بل بمن يمتلك القدرة على تشكيل الوعي وفرض نفوذه داخل الفضاء الرقمي العالمي.
عبري: وعود النصر لنتنياهو تنتهي بانكفاء أمريكي مدوٍ.. وتبدو إسرائيل عاجزة ومربكة أمام حزب الله
اليوم 88..حرب إيران: أجواء انتظارية لاتفاق إطار ونشاط سياسي متعدد
مباحثات إيرانية قطرية مرتقبة لتناول مذكرة التفاهم مع واشنطن
إعلام: بينغ "رفع صوته" بوجه ترامب على خلفية "ملف حساس"
المرة الـ89..نتنياهو يعود إلى ساحة المحكمة من جديد في قضايا فساد
💬 التعليقات (0)