لا يمثل السجن في التاريخ السياسي مجرد جدران حديدية، بل يتحول إلى مرآة تعكس أزمات السلطة وعلاقتها بالمجتمع. وفي حالة الشيخ راشد الغنوشي، يبرز الاعتقال كحدث يطرح تساؤلات عميقة حول مصير الدولة الوطنية العربية، ومدى تحولها من إطار لصون الكرامة إلى جهاز لإدارة الخوف وإعادة إنتاج السيطرة المطلقة.
يربط مراقبون بين توقيت اعتقال الغنوشي في ليلة القدر عام 2023، وبين المداهمة الاستعمارية الفرنسية لمؤتمر ليلة القدر عام 1946. هذا الربط الرمزي يشير إلى استمرار الصراع بين إرادة التحرر الشعبي وبين السلطات التي ترى في الحرية تهديداً وجودياً لاستقرارها السياسي.
شكل مؤتمر ليلة القدر عام 1946 محطة مفصلية في تاريخ تونس، حيث توحدت القوى الوطنية حول مطلب الاستقلال التام. وقد شاركت فيه شخصيات بارزة مثل فرحات حشاد وصالح بن يوسف، مما أعطى القضية التونسية بعداً جماهيرياً تجاوز الانقسامات الحزبية الضيقة آنذاك.
في العصر الحديث، تكرر المشهد باقتحام منزل الغنوشي قبيل إفطار ليلة القدر، وسط أجواء من الاحتقان السياسي التي تلت إجراءات 25 يوليو. واعتبرت أوساط حقوقية أن طريقة الاعتقال وتوقيتها حملا رسائل سياسية استعراضية تتجاوز الإجراءات الأمنية الروتينية لتستهدف الوجدان الشعبي.
تعود علاقة الغنوشي بالعمل السياسي والفكري إلى عقود طويلة، حيث بدأت ملامح مشروعه تتشكل في السبعينيات. وقد تميز خطابه بالدعوة إلى إسلام يناهض الجمود الفكري، ويحاول التوفيق بين الهوية الإسلامية ومتطلبات العصر الحديث والدولة المدنية.
خلال فترات سجنه السابقة، ركز الغنوشي على الإنتاج المعرفي، حيث ألف كتباً ناقشت قضايا الديمقراطية والقضية الفلسطينية. كانت فلسفته في السجن تقوم على استثمار الوقت في المطالعة الجماعية وحلقات النقاش، مما حول المعتقل إلى فضاء لإنتاج الفكر السياسي.
💬 التعليقات (0)