أمد/ -الدول الصغيرة لا تنتصر بالعزلة،بل بفهمها العميق للعبة القوى،وحين تخطئ في قراءة التوازنات،تدفع ثمنا لا تسترده الأجيال..( الكاتب)
لم تعد الصورة غامضة اليوم،بل اكتملت ملامحها لتكشف عن مشهد سياسي بالغ الدلالة: إن ما أقدمت عليه الحكومة اللبنانية،برفضها ربط ملف بلادها بأي مسار تفاوضي مع إيران،لم يكن أقل من هدية استراتيجية كبرى قدمتها مجانا للدولة العبرية.فبتخلّيها عن هذه الورقة الحيوية،ألقت بيروت من يديها أداة ضغط نادرة قد لا تتاح لها مجددا،وهو ما يفسر التحول المفاجئ في الموقف الإسرائيلي تجاه المفاوضات المباشرة مع لبنان.
فبعد أن كانت تل أبيب تتجنب هذا الخيار بحذر، أبدت فجأة استعدادا للجلوس إلى طاولة حوار مباشرة مع بيروت،بل وصل الأمر بالرئيس اللبناني إلى رفع المسألة أمام الأمين العام للأمم المتحدة، مستشعرا غرابة هذا التحول أو ربما خطره.
وفي خضم الحديث المتصاعد عن إمكانية التوصل إلى مذكرة تفاهم أميركية-إيرانية،كشفت هيئة البث العبرية عن تصريح لمسؤول إسرائيلي مفاده أن بنيامين نتنياهو أبلغ الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن إسرائيل تتمسك بحرية تحركها العسكرية على كل الجبهات،بما فيها لبنان،وأن ترامب أبدى تأييدا واضحا لهذا التوجه.وقبل ذلك، دوّن بيني غانتس،وزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق، في منصة "إكس" محذراً: "إن القبول بوقف إطلاق النار في لبنان في إطار أي اتفاق مع إيران مرفوض تماماً"، واصفا هذا السيناريو بأنه "خطأ استراتيجي سيدفع ثمنه الإسرائيليون لسنوات قادمة".
وهذه التطورات تأتي في وقت تواصل فيه إسرائيل خرق اتفاق وقف إطلاق النار في لبنان، متجاوزة ما أُعلن عنه مرتين من البيت الأبيض، وكأنها تؤكد عمليا أن لبنان،في نظرها،لم يعد محميا بغطاء إقليمي.
والتقدير الذي يفرض نفسه اليوم أن الفصل المبكر بين المسار اللبناني والإيراني،قد منح إسرائيل هامشا غير مسبوق للتعامل مع الملف اللبناني باعتباره "جبهة منعزلة"،من دون أن يكون مرتهنا بأثمان أو مقايضات إقليمية ضمن تفاوض أوسع مع طهران.وبالتالي،خسرت بيروت سياسيا وتفاوضيا الورقة الوحيدة التي كانت يمكن أن تمنحها نفوذا حقيقيا على توقيت التهدئة وشروطها.وكأن لبنان،في لحظة حاسمة من تاريخه،أقدم على تفكيك سلاحه التفاوضي بيديه، ظنا منه أنه يكسب استقلالية قراره،فإذا به يخسر سيادة بقائه.فالفصل بين الجبهات،الذي قد يبدو للوهلة الأولى تعبيرا عن "السيادة الوطنية"، يتحول في ميزان القوى الإقليمي إلى عزلة تفاوضية قاتلة.حين تختار دولة صغيرة ألا تكون ورقة في لعبة الكبار،فإنها قد تتحول فجأة إلى أرض لا ورق فيها،تُلعب عليها الأدوار دون أن يكون لها دور.!
💬 التعليقات (0)