داخل سجن “نفحة”، يقبع الأسير الفلسطيني فيصل سباعنة دون تهمة ولا محاكمة. رجل تجاوز الخامسة والستين، أنهكت جسده سنوات السجن الطويلة، وراكمت الأمراض فوق كتفيه: سكري، ضغط، غضاريف، وقلب أُرهق بالقسطرة والانتظار. لكن كل ذلك لم يكن كافيًا ليحصل على حقه في العلاج أو حتى في الراحة. في إحدى الليالي، شعر سباعنة بألم حاد يمزق صدره. حاول أن يطرق باب الزنزانة الحديدي، أن يطلب طبيبًا أو إسعافًا، لكن الساعات مرت بطيئة وثقيلة قبل أن يُنقل مكبل اليدين، وهو بالكاد قادر على الحركة. لم يكن انتقاله إلى المستشفى رحلة نجاة، بل فصلًا جديدًا من الإهانة؛ ضربٌ وتنكيل، وتقييد حتى على سرير العلاج. فيصل سباعنة، ابن بلدة قباطية جنوب جنين، ليس اسمًا عابرًا في سجل الأسرى. أمضى أكثر من خمسة عشر عامًا متنقلًا بين السجون، ثم أعيد اعتقاله إداريًا في أكتوبر/تشرين الأول 2023 دون تهمة أو محاكمة أو موعد واضح للحرية. مجرد ملف “سري” لا يراه هو ولا محاميه، يكفي ليقرر الاحتلال أن يبقى رجل مريض خلف القضبان إلى أجل مفتوح. سباعنة صورة لواحدة من أكثر السياسات قسوة وغموضًا في منظومة الاحتلال: الاعتقال الإداري. الاعتقال الإداري هو احتجاز الفلسطينيين دون توجيه تهمة رسمية، استنادًا إلى “ملفات سرية” يدّعي الاحتلال امتلاكها. لا يعرف الأسير ما الذي يُتهم به، ولا يستطيع الدفاع عن نفسه أمام المحكمة، لأن الأدلة تبقى محجوبة عنه وعن محاميه. وفي كثير من الأحيان، يتحول الأمر إلى دائرة مغلقة من التجديد المتكرر؛ ستة أشهر تتبعها ستة أخرى، ثم سنة إضافية، حتى يصبح الزمن نفسه عقوبة. داخل المحاكم العسكرية، يقف الأسرى الإداريون أمام قضاة يعرفون مسبقًا النتيجة. جلسات قصيرة، ملفات مغلقة، وضباط مخابرات يهمسون بكلمات غير قابلة للطعن. وفي النهاية، يصدر القرار المعتاد: “تمديد الاعتقال”. بالنسبة لعائلات الأسرى، لا يكون الاعتقال الإداري مجرد غياب مؤقت، بل حالة انتظار دائمة. أم لا تعرف إن كان ابنها سيعود بعد أشهر أم سنوات. زوجة تجهز البيت لاستقبال زوجها ثم تفاجأ بقرار تمديد جديد. وأطفال يكبرون وهم يحفظون مواعيد المحاكم أكثر مما يحفظون مواعيد الأعياد. كثير من الأسرى الإداريين خاضوا إضرابات طويلة عن الطعام احتجاجًا على هذا النوع من الاعتقال. بعضهم وصل إلى حافة الموت، وبعضهم خرج بعد معركة أمعاء خاوية استمرت شهورًا. لكن السياسة بقيت قائمة، بل واتسعت بشكل غير مسبوق بعد الحرب على غزة. ووفق مؤسسات الأسرى الفلسطينية، ارتفع عدد المعتقلين الإداريين خلال العامين الأخيرين إلى مستويات قياسية، مع اعتماد الاحتلال على أوامر جماعية طالت طلابًا وصحفيين وأكاديميين ونشطاء وأسرى محررين، وحتى مرضى وكبار سن. وتشير الأرقام الحديثة إلى أن سياسة الاعتقال الإداري بحق الفلسطينيين تشهد تصعيدًا غير مسبوق منذ بدء الحرب على غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، وسط تحذيرات حقوقية من تحوّل هذا الإجراء الاستثنائي إلى أداة عقاب جماعي مفتوح. ووفق معطيات مؤسسات الأسرى الفلسطينية، بلغ عدد المعتقلين الإداريين في سجون الاحتلال حتى منتصف عام 2025 أكثر من 3500 معتقل إداري، بينهم أطفال ونساء، مقارنة بنحو 1300 معتقل إداري فقط قبل الحرب، أي أن العدد تضاعف قرابة ثلاث مرات خلال أقل من عامين. كما أصدرت سلطات الاحتلال خلال عام 2025 وحده أكثر من 7700 قرار اعتقال إداري بين أوامر جديدة وتجديدات، بينما تجاوز مجموع الأوامر الصادرة منذ أكتوبر 2023 حاجز 17 ألف أمر اعتقال إداري، في واحدة من أكبر حملات الاعتقال الإداري بتاريخ الاحتلال. وتكشف الإحصائيات أن الاعتقال الإداري لم يعد يقتصر على النشطاء السياسيين، بل طال مختلف فئات المجتمع الفلسطيني، بما في ذلك: أكثر من 100 طفل معتقل إداري. ما لا يقل عن 16 أسيرة وفتاة قاصر. رؤساء بلديات ونواب وأكاديميون وطلبة جامعات. أسرى محررون أعيد اعتقالهم دون تهم. وبحسب مؤسسات حقوقية، فإن نحو 35% من إجمالي الأسرى الفلسطينيين أصبحوا معتقلين إداريين، وهي نسبة غير مسبوقة تاريخيًا. كما تشير التقديرات إلى أن ما يقارب 80% من المعتقلين الإداريين هم أسرى محررون سبق أن تعرضوا للاعتقال سابقًا.
وتؤكد مؤسسات الأسرى أن أخطر ما في الاعتقال الإداري هو غياب التهمة والمحاكمة، إذ يُحتجز الفلسطيني استنادًا إلى “ملف سري” لا يحق له أو لمحاميه الاطلاع عليه، فيما يمكن تجديد أمر الاعتقال كل ستة أشهر دون سقف زمني واضح، ما يجعل الأسير وعائلته في حالة انتظار دائم ومفتوح.
أما فيصل سباعنة، الرجل الذي أنهكه القلب والسجن معًا، فما يزال يقاوم داخل المعتقل، فيما تبقى قصته شاهدًا على نظام كامل بُني على احتجاز الفلسطينيين خارج حدود العدالة، وتركهم معلقين بين باب زنزانة لا يُفتح، وقرار اعتقال يمكن أن يتجدد إلى ما لا نهاية.
💬 التعليقات (0)