f 𝕏 W
في زمن الضجيج… من يحمي الكلمة الصادقة؟

جريدة القدس

سياسة منذ ساعة 👁 0 ⏱ 4 د قراءة
زيارة المصدر ←

في زمن الضجيج… من يحمي الكلمة الصادقة؟

الإثنين 25 مايو 2026 9:34 صباحًا - بتوقيت القدس

لم يعد العالم يعيش أزمة معلومات، بل أزمة معنى.فنحن نعيش في زمن يتدفق فيه الكلام بلا توقف، وتنتشر فيه الأخبار والصور والمقاطع بسرعة هائلة، حتى أصبح الإنسان محاصرًا بكمٍ هائل من المحتوى، لكنه في المقابل يفتقد إلى العمق، وإلى الكلمة التي تستحق أن تُقال فعلًا.في كل دقيقة، تُنشر آلاف المنشورات، وتُرفع ملايين المقاطع، ويتحدث الجميع في كل شيء.لكن وسط هذا الضجيج الكبير، يبرز سؤال خطير:من يحمي الكلمة الصادقة؟الإعلام لم يعد كما كان، في السابق كانت الكلمة تمر بمراحل طويلة قبل أن تصل إلى الناس.كان هناك محرر، ومدقق، وحارس البوابة، ومسؤولية مهنية، ومؤسسات تخشى على سمعتها أمام الجمهور.أما اليوم، فقد أصبح أي شخص قادرًا على صناعة رواية كاملة عبر هاتف محمول، خلال دقائق قليلة، ودون أي مسؤولية حقيقية.هذه السرعة الهائلة في إنتاج المحتوى غيّرت طبيعة الإعلام نفسه. لم يعد السباق نحو الحقيقة فقط، بل أصبح سباقًا نحو المشاهدات، والتفاعل، والانتشار.وهنا بدأت المشكلة حين أصبحت القيمة بعدد المشاهدات، في عصر المنصات الرقمية، لم تعد كثير من المعايير الأخلاقية أو المهنية هي التي تحدد ما ينتشر، بل أصبحت الخوارزميات هي الحاكم الفعلي للمشهد الإعلامي.المحتوى الغاضب ينتشر أسرع، المحتوى السطحي أسهل استهلاكًا، الإثارة تتفوق على التحليل، والاختصار يقتل الفكرة العميقة.أصبح صانع المحتوى أحيانًا مضطرًا لأن يصرخ كي يُسمع، وأن يبالغ كي ينتشر، وأن يختزل القضايا الكبرى في ثوانٍ قليلة حتى لا يخسر انتباه الجمهور.ومع الوقت، تحوّل كثير من الخطاب العام من مساحة للفهم إلى مساحة للانفعال السريع.الكلمة الصادقة أصبحت مكلفة، وفي زمن الضجيج، تصبح الحقيقة أبطأ من الإشاعة، والكلمة العميقة أقل انتشارًا من العبارة المثيرة.الكلمة الصادقة تحتاج: وقتًا للتفكير، وهدوءًا للتحليل، وشجاعة لمواجهة الجمهور أحيانًا، ونزاهة تمنع صاحبها من قول ما يريده الناس فقط.ولذلك، فإن حماية الكلمة الصادقة ليست مهمة سهلة، لأنها غالبًا لا تحقق المكاسب السريعة نفسها التي يحققها الضجيج.الخطر الحقيقي: فقدان القدرة على التفكيرالمشكلة ليست فقط في كثرة المحتوى، بل في الطريقة التي أعاد بها تشكيل عقول الناس. الإنسان الذي يعتاد المقاطع السريعة جدًا، والرسائل المختصرة، والتنقل المستمر بين الشاشات، يفقد تدريجيًا قدرته على التأمل والتركيز والتحليل العميق.وهنا يصبح المجتمع أكثر قابلية للتوجيه، وأكثر هشاشة أمام الشائعات والتلاعب العاطفي.أخطر ما يفعله الضجيج ليس أنه يرفع الأصوات التافهة فقط، بل أنه يُتعب العقول الجادة حتى تنسحب بصمت.فلسطين ومعركة الروايةبالنسبة للفلسطيني، تبدو هذه الأزمة أكثر خطورة.فنحن لا نخوض معركة سياسية وعسكرية فقط، بل نخوض أيضًا معركة رواية ووعي.الاحتلال يدرك جيدًا أن الصورة قد تغيّر الرأي العام العالمي، وأن المعلومة المضللة قد تبرر جريمة كاملة، وأن تكرار الكذبة قد يصنع حقيقة في أذهان البعض.لذلك، فإن تراجع الخطاب العميق والمهني والواعي ليس مجرد أزمة إعلامية، بل خطر وطني وثقافي.القضية الفلسطينية لا تحتاج فقط إلى محتوى سريع يتفاعل معه الناس لساعات، بل تحتاج إلى خطاب يبني وعيًا طويل الأمد، ويحفظ الرواية، ويخاطب العالم بلغة ذكية وإنسانية ومؤثرة.من يحمي الكلمة الصادقة؟ تحميها أولًا ضمائر أصحابها. حين يرفض الكاتب أن يتحول إلى تاجر مشاهدات، ويرفض الإعلامي أن يصبح أسير الإثارة، ويرفض المثقف أن ينسحب من المشهد.تحميها أيضًا المؤسسات التي ما زالت تؤمن أن للإعلام دورًا يتجاوز الترفيه والضجيج.ويحميها الجمهور الواعي، الذي لا يكتفي بالعناوين، ولا يمنح ثقته بسهولة، ولا يسمح للخوارزميات بأن تفكر نيابة عنه.نحن بحاجة إلى استعادة العمق، لسنا ضد التطور، ولا ضد الإعلام الرقمي، ولا ضد المنصات الحديثة، لكننا بحاجة إلى إعادة التوازن.نحتاج إلى محتوى سريع… لكنه صادق.ومحتوى جذاب… لكنه واعٍ.وخطاب حديث… دون أن يفقد قيمته ومعناه.فالمشكلة ليست في التكنولوجيا نفسها، بل في كيفية استخدامها، وفي نوع الإنسان الذي يقف خلف الشاشة.قد ينجح الضجيج في جذب الانتباه للحظات، لكنه لا يصنع وعيًا، ولا يبني قضية، ولا يحفظ وطنًا.أما الكلمة الصادقة، فقد تبدو أهدأ، وأبطأ، وأقل صخبًا…لكنها وحدها القادرة على البقاء.

في زمن الضجيج… من يحمي الكلمة الصادقة؟

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

📰
المقال الكامل متوفر على موقع المصدر
اقرأ الخبر كاملاً من جريدة القدس

شارك هذه المقالة

💬 التعليقات (0)