f 𝕏 W
النغمة السرية للجرس

جريدة القدس

سياسة منذ ساعة 👁 0 ⏱ 6 د قراءة
زيارة المصدر ←

النغمة السرية للجرس

الإثنين 25 مايو 2026 9:23 صباحًا - بتوقيت القدس

يدوي الصوت عالياً، يقطع هواء الساحة المدرسية المعبأ بضجيج مئات الحناجر الصغيرة. إنه الجرس. الرنين المعدني الحاد الذي يفترض أن يوقف الزمن للحظة، ليعلن نهاية فصل وبداية آخر. أقف أحياناً أراقب المشهد من نافذة الطابق الثاني. يرن الجرس، ثم ماذا ؟لا شيء. لا شيء يتغير حقاً. بعض الطلاب يواصلون ركل الكرة وكأن الصوت لم يخترق آذانهم، وكأنهم يعيشون في فقاعة عازلة للصوت. مجموعة من الفتيات يكملن حديثهن الحماسي عند زاوية السور، تتشابك أيديهن في حوار لا يقبل التأجيل. وحتى بعض المعلمين، تراهم يمشون الهوينا في الممرات، يحملون أكواب القهوة الساخنة، يتبادلون أطراف الحديث، غير عابئين بالدقائق التي تتسرب من بين أصابع الحصة. أتساءل في تلك اللحظة، وأنا أراقب هذا المشهد المتكرر هل فقد الجرس معناه؟ هل تحول من أمر حاسم إلى مجرد اقتراح صوتي اعتدنا عليه لدرجة يمكن تجاهله؟الجرس بالنسبه لي لم يكن يوماً أداة لقياس الزمن. هو ليس ساعة حائط كبيرة معلقة في الممر. إنه عتبة خط وهمي يفصل بين عالمين متناقضين عالم الراحة واللعب والانطلاق بلا قيود، وعالم التعلم والانتباه والتركيز المنضبط. هو لحظة انتقال حرجة من الفوضى المحببة إلى النظام المطلوب. وحين تقف لتتأمل كيف تتعامل مدرسة ما مع هذه اللحظة، فإنك تقرأ، دون أن تدري، ثقافة تلك المدرسة بأكملها. الطريقة التي ينتقل بها البشر من حالة إلى أخرى تخبرك الكثير عن مدى احترامهم للمكان الذي يجمعهم، وعن القواعد غير المكتوبة التي تحكم سلوكهم.أتذكر أيام طفولتنا، وكيف كان الجرس يحمل هيبة غريبة، تكاد تكون مقدسة. رنته الأولى كانت كفيلة بتجميدنا في أماكننا، كأننا تماثيل في لعبة أطفال. كنا نركض نحو الطوابير وكأن الأرض تشتعل تحت أقدامنا، نسابق أنفاسنا لنقف في صفوف مستقيمة. كان الجرس رمزاً للانضباط الصارم، لسطوة الوقت، لاحترام النظام العام الذي لا يقبل المساومة. ربما كان في الأمر شيء من الخوف، نعم، لكنه كان يؤسس لوعي مبكر بأن للوقت حرمة، وأن الانتقال من اللعب إلى الجد يتطلب استجابة فورية وحاسمة. اليوم، تغيرت الصورة كثيراً. لم يعد الخوف محركاً، وهذا أمر جيد تربوياً بلا شك، لكن البديل لم يكن دائماً الانضباط الذاتي الواعي. البديل في كثير من الأحيان كان التراخي، واللامبالاة، والتسويف.و هنا قفز السؤال إلى رأسي ، ما علاقة الجرس بانضباط الطلاب؟ الانضباط الخارجي، ذلك الذي يُفرض بالعصا أو بالصراخ أو بالتهديد، ينهار بمجرد غياب الرقيب، إنه انضباط هش، يزول بزوال المؤثر. أما الانضباط الذاتي، فهو أن تسمع الجرس فتدرك من داخلك، بوعي كامل، أن وقت اللعب انتهى، وأن هناك مسؤولية تنتظرك في الصف. لحظة رنين الجرس هي الكاشف الحقيقي لمستوى التربية في المدرسة ، لمقياس تشكل الوعي الحقيقي، هل يتحرك الطالب لأنه يخاف من عقاب المدير الواقف في الممر بعينين متفحصتين؟ أم يتحرك لأنه يحترم العقد غير المكتوب بينه وبين مؤسسته التعليمية؟ هل يتحرك لأنه يدرك أن وقته ووقت زملائه ومعلمه له قيمة؟ولكن، دعونا لا نلقي باللائمة على الطلاب وحدهم. ماذا عن المعلم؟ بالنسبة للمعلم، الجرس هو سيف ذو حدين، يحمل مشاعر متناقضة. أحياناً يكون طوق نجاة، يعلن نهاية حصة ثقيلة مع صف مشاغب استنزف طاقته، فيتنهد بارتياح عميق وكأنه نجا من غرق. وأحياناً أخرى، يكون الجرس قاطعاً لتيار فكرة جميلة كان ينسجها مع طلابه، فيشعر بغصة لأن الوقت خذله. لكن، كيف يتعامل المعلم مع جرس بداية الحصة؟ حين يتأخر المعلم عن دخول الصف بعد الجرس، فإنه يرسل رسالة صامتة، لكنها مدوية، لطلابه( الوقت ليس مهماً جداً )الطلاب أذكياء، بل أذكياء جداً، يلتقطون هذه الرسائل غير المنطوقة ببراعة فائقة، ويترجمونها إلى سلوكيات يومية. المعلم الذي يحترم الجرس، يعلم طلابه احترامه دون أن ينطق بكلمة واحدة.المايسترو الخفي لهذا الإيقاع هو دور الاداره ،الإدارة هي صناعة ثقافة. المدير الذي يقف في الساحة، لا ليصرخ أو يهدد، بل ليوجه بابتسامة حازمة وحضور هادئ، يصنع فارقاً هائلاً. الإدارة التي تبني ثقافة احترام الوقت، تجعل من الجرس أداة تنظيم حقيقية، وليس ضجيج آخر يضاف إلى ضجيج المدرسة. الأمر لا يتعلق بفرض السيطرة العسكرية أو تحويل المدرسة إلى ثكنة، بل بخلق إيقاع متناغم للمدرسة. الإيقاع هو ما يجعل الموسيقى موسيقى، وبدونه تتحول إلى مجرد أصوات مزعجة. المدرسة بلا إيقاع هي مجرد مبنى يكتظ بالبشر، تائهين بين الفوضى والملل.حين يفقد الجرس معناه، وحين تسمع المدرسة الرنين ولا تتحرك، علينا أن نتوقف ونسأل بجدية ما الذي انهار حقاً؟ هل هو مجرد كسل او لا مبالاة؟ لا أعتقد. الذي ينهار في تلك اللحظة هو الهيبة ،هيبة المؤسسة، هيبة الوقت، وهيبة الثقافة المشتركة التي تجمعنا. حين يصبح التأخر خمس دقائق أمراً عادياً ومقبولاً، وحين يصبح تجاهل النداء الأول ممارسة يومية لا تستدعي التوقف، فإننا نربي جيلاً يعتقد أن القواعد وُضعت لتُكسر، أو في أحسن الأحوال، لتُؤجل إلى حين ميسرة.وحين النظر بعمق اكبر أرى أن المدرسة التي لا يسمع فيها أحد الجرس، لم تفقد النظام فحسب، بل فقدت الإحساس بـ الانتقال . بالمناسبه الحياة كلها هي عبارة عن انتقالات. من الطفولة إلى الشباب، من العزوبية إلى الزواج، من العمل إلى التقاعد. القدرة على إدارة هذه الانتقالات بوعي ومرونة هي مهارة حياتية كبرى. حين نعلم الطفل كيف ينتقل بسلاسة واحترام من ساحة اللعب إلى مقعد الدرس، فإننا ندربه، دون أن يشعر، على إدارة انتقالات حياته الكبرى مستقبلاً. نحن نعلمه كيف يغلق باباً ليفتح آخر، وكيف ينهي مرحلة ليبدأ جديدة بتركيز كامل.الجرس ليس صوتاً معدنياً يقرع في الفراغ. إنه لغة. لغة نظام، لغة احترام، ولغة وعي. المدرسة التي تعرف كيف تدير لحظة الانتقال تلك، هي مدرسة تعرف كيف تدير التعلم نفسه. لأن التربية، في نهاية المطاف، لا تحدث دائماً في الخطب الرنانة أو المناهج المعقدة المكتوبة في الكتب. التربية تبدأ أحياناً، وتتجلى غالباً، في تفاصيل صغيرة جداً… كطريقة استجابتنا لصوت جرس يدوي في ساحة مدرسة.………………..الجرس بالنسبه لي لم يكن يوماً أداة لقياس الزمن. هو ليس ساعة حائط كبيرة معلقة في الممر. إنه عتبة خط وهمي يفصل بين عالمين متناقضين عالم الراحة واللعب والانطلاق بلا قيود، وعالم التعلم والانتباه والتركيز المنضبط.

رائد محمد الدبعي / المحاضر في قسم العلوم السياسية، جامعة النجاح الوطنية .

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

📰
المقال الكامل متوفر على موقع المصدر
اقرأ الخبر كاملاً من جريدة القدس

شارك هذه المقالة

💬 التعليقات (0)