f 𝕏 W
فلسطين لا تحتاج جامعاتٍ أكثر.. بل تعليماً عالياً أعمق

جريدة القدس

سياسة منذ ساعة 👁 0 ⏱ 7 د قراءة
زيارة المصدر ←

فلسطين لا تحتاج جامعاتٍ أكثر.. بل تعليماً عالياً أعمق

الإثنين 25 مايو 2026 9:26 صباحًا - بتوقيت القدس

لم تعد قضية التعليم العالي في فلسطين قضية توسع كمي فحسب، ولا يمكن اختزالها في سؤال بسيط حول عدد الجامعات والكليات والبرامج الأكاديمية. القضية أعمق من ذلك بكثير؛ إنها قضية تخطيط وطني، وعدالة في توزيع الموارد، ومواءمة بين التعليم والتنمية، وقدرة حقيقية على تحويل الجامعة من مؤسسة تمنح الشهادات إلى مؤسسة تنتج المعرفة، وتبني الإنسان، وتخدم المجتمع.في بقعة جغرافية صغيرة ومثقلة بالتحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية كفلسطين، لا يمكن النظر إلى كثرة عدد الجامعات والكليات والتخصصات بوصفها مؤشراً تلقائياً على التقدم. فالتعليم العالي لا يُقاس بعدد المباني، ولا بكثرة المسميات الأكاديمية، ولا بتعدد البرامج المتشابهة، ولا بالمزاحمة على تصنيفات محلية أو عربية أو حتى عالمية، وإنما بقدرته على إعداد خريجين يمتلكون معرفة حقيقية، ومهارات نافعة، وقدرة على خدمة المجتمع، والمساهمة في التنمية الوطنية.ليست المشكلة في وجود جامعات كثيرة بحد ذاته، فالتعليم العالي حق وطني ورافعة أساسية للنهوض المجتمعي. غير أن المشكلة تبدأ حين يتم التوسع في الجامعات والكليات والبرامج خارج إطار تخطيط وطني متكامل. والتخطيط المقصود هنا لا ينبغي أن يكون قراراً إدارياً تصدره جهة واحدة، ولا استجابة لرغبة مؤسسة بعينها، ولا انعكاساً لضغط محلي أو مصلحة ضيقة، بل يجب أن يكون ثمرة جهد وطني تشاركي تتكامل فيه أدوار وزارة التعليم العالي، ووزارة التخطيط، ووزارة الاقتصاد، والقطاع الخاص، والنقابات المهنية، والجامعات، ومؤسسات المجتمع المدني، والبلديات، والخبراء المستقلين.إن كثرة الجامعات والكليات والأقسام والبرامج في مساحة جغرافية محدودة ليست احتمالاً نظرياً، بل واقع ملموس يمكن ملاحظته بوضوح في المشهد الفلسطيني. هناك تكرار واضح في عدد من البرامج، وتشابه في المسميات، وتداخل في الأهداف، وضعف أحياناً في التمايز بين مؤسسة وأخرى. وفي ظل سوق عمل محدود، وظروف اقتصادية صعبة، وكثافة سكانية لا تسمح باستيعاب هذا القدر من التوسع غير المدروس، يصبح هذا الواقع عاملاً ضاغطاً على جودة التعليم، وعلى مكانة الخريجين، وعلى القيمة الاجتماعية والمهنية للشهادة الجامعية.فالجامعة لا تعمل في فراغ. هي جزء من مجتمع له طاقة استيعابية محدودة، وسوق عمل له قدرة محدودة، وموارد وطنية ينبغي أن تُدار بحكمة. وعندما يتجاوز التوسع الأكاديمي قدرة المجتمع على الاستيعاب، فإن النتيجة لا تكون بالضرورة مزيداً من التنمية، بل قد تكون مزيداً من الشهادات، ومزيداً من البطالة المقنعة، ومزيداً من الإحباط لدى الخريجين وأسرهم.ومن أخطر نتائج هذا التوسع غير المنضبط أنه يدفع ببعض مؤسسات التعليم العالي إلى منافسات غير صحية على الطلبة، لا على الجودة. وهذا أيضاً لم يعد مجرد احتمال، بل أصبح واقعاً يلمسه المتابعون في بعض البرامج التي شهدت، عبر السنوات، تراجعاً تدريجياً في معايير القبول، حتى أصبح الهم الأساسي هو استقطاب الطالب، بغض النظر أحياناً عن مدى أهليته الحقيقية للالتحاق بهذا البرنامج أو ذاك.وعندما يصبح الطالب مورداً مالياً ضرورياً لبقاء المؤسسة، تتغير وظيفة الجامعة بصورة خطيرة. فبدلاً من أن تكون مؤسسة معرفية وتنموية، قد تتحول إلى مؤسسة منشغلة بملء المقاعد الدراسية. وبدلاً من أن يكون القبول الجامعي بوابة لاختيار الطالب المناسب للتخصص المناسب، يصبح أحياناً أداة لاستيعاب أكبر عدد ممكن من الطلبة. هنا تتراجع قيمة التخصص، ويضعف مستوى الخريجين، وتتأثر ثقة المجتمع بالشهادة الجامعية.المنافسة بين الجامعات مطلوبة إذا كانت منافسة على جودة التعليم، وقوة البحث العلمي، وكفاءة أعضاء هيئة التدريس، وتطور المختبرات، ونسبة توظيف الخريجين، وحجم الشراكات مع المجتمع والقطاع الخاص. أما إذا تحولت المنافسة إلى تخفيض شروط القبول، أو تضخيم الوعود التسويقية، أو فتح برامج متشابهة بلا حاجة حقيقية، فإنها تصبح منافسة ضارة بمستقبل التعليم العالي كله.ومن هنا، لا ينبغي أن يكون الحل في إنشاء مزيد من الجامعات والكليات والبرامج، بل في إعادة توجيه التفكير نحو العمق والجودة والتخصص. فبدلاً من توزيع الإمكانات الفلسطينية المحدودة على عدد كبير من البرامج المتشابهة، يمكن بناء مراكز تميز بحثية وتطبيقية تخدم الجامعات والمجتمع في آن واحد. فالحاجة قد لا تكون دائماً إلى جامعة جديدة، بل إلى مختبر وطني متخصص، أو مركز بحث تطبيقي، أو حاضنة تكنولوجية، أو مركز تدريب مهني متقدم، أو وحدة دراسات قطاعية مرتبطة بمشكلات المجتمع الفعلية.كما أن فلسطين ليست كتلة جغرافية واحدة متشابهة في خصائصها الاقتصادية والاجتماعية. لكل منطقة طبيعتها، ومواردها، وفرصها، وتحدياتها. لذلك، فإن خريطة التعليم العالي يجب أن تُبنى وفق رؤية جيو-اقتصادية، تراعي خصائص كل منطقة وقدراتها. ففي محافظة مثل الخليل، حيث الحضور الصناعي والحرفي والمهني، يمكن تعزيز التعليم التطبيقي، والتكنولوجي والصناعي والمهني. وفي جنين وطولكرم، حيث الإمكانات الزراعية والثروة الحيوانية والتصنيع الغذائي، يمكن تطوير تخصصات مرتبطة بالزراعة الحديثة، والأمن الغذائي، والتصنيع الزراعي، والتقنيات الحيوية الزراعية. وفي رام الله والبيرة، بحكم حضور المؤسسات والإدارة والخدمات، يمكن تعزيز تخصصات الإدارة العامة، والسياسات التنموية، والاقتصاد، والحوكمة، وريادة الأعمال. وفي نابلس، مع حضور التخصصات الصحية والاقتصادية والخدماتية، يمكن تعزيز الطب، والعلوم الصحية، والصناعات الدوائية، والعلوم الإدارية، والبحث الطبي التطبيقي.هذه الأمثلة ليست توزيعاً نهائياً ولا وصفة جاهزة، بل إشارة إلى منطق مطلوب: أن تُوزع مجالات التميز الأكاديمي وفق خصائص المناطق وإمكاناتها وحاجاتها، لا وفق رغبة كل مؤسسة في أن تقدم كل شيء. فليس مطلوباً من كل جامعة أن تكون نسخة من الأخرى، ولا من كل محافظة أن تحتوي التخصصات نفسها، بل المطلوب أن تكون هناك شبكة وطنية متكاملة، تتمايز فيها المؤسسات وتتعاون، بدلاً من أن تتكرر وتتنافس بلا رؤية جامعة.ولذلك، فإن إصلاح التعليم العالي الفلسطيني يحتاج إلى حزمة إجراءات واضحة، من أهمها:• إعداد خريطة وطنية شاملة للتعليم العالي تحدد التخصصات المطلوبة، والمشبعة، والمكررة، والمستقبلية.• إنشاء إطار وطني مستقل لتخطيط التعليم العالي، تشارك فيه الوزارات ذات العلاقة، والجامعات، والقطاع الخاص، والنقابات، ومؤسسات المجتمع المدني، والخبراء المستقلون.• وقف فتح البرامج الجديدة إلا بناءً على دراسة حاجة حقيقية، وقدرة مؤسسية واضحة، وفرص تشغيل أو خدمة مجتمعية قابلة للقياس.• مراجعة البرامج القائمة وتصنيفها إلى برامج ضرورية، وبرامج تحتاج تطويراً، وبرامج مكررة، وبرامج ينبغي دمجها أو تجميدها.• بناء مراكز تميز بحثية وتطبيقية مشتركة تخدم الجامعات والقطاعات الإنتاجية والمجتمع.• ربط التخصصات بالخريطة الجغرافية والاقتصادية لكل منطقة، بحيث تنسجم البرامج مع طبيعة المحافظات واحتياجاتها.• رفع معايير القبول في البرامج التي تتطلب قدرات خاصة، ومنع تحويل القبول الجامعي إلى أداة لجذب الأعداد فقط.• قياس نجاح كل برنامج من خلال جودة الخريجين، ونسبة توظيفهم، وأثرهم المجتمعي، لا من خلال عدد الملتحقين فقط.إن فلسطين لا تحتاج إلى سباق جديد في عدد الجامعات، ولا إلى تكاثر إضافي في أسماء البرامج، بل تحتاج إلى شجاعة وطنية في مراجعة خريطة التعليم العالي. تحتاج إلى أن نسأل بوضوح: ما الذي نحتاجه فعلاً؟ أين ينبغي أن نستثمر؟ ما التخصصات التي تخدم مستقبل المجتمع؟ وما البرامج التي لم تعد تضيف قيمة حقيقية؟إن إصلاح التعليم العالي لا يعني إغلاق الأبواب أمام التعلم، بل يعني فتحها بطريقة أذكى وأكثر عدلاً وفاعلية. ويعني أن تتحول الجامعات من مؤسسات متنافسة على الطلبة إلى مؤسسات متكاملة في خدمة التنمية. ويعني أن تصبح كل جامعة، وكل كلية، وكل برنامج، جزءاً من مشروع وطني واضح، لا مجرد عنوان إضافي في قائمة طويلة من التخصصات.والأهم من ذلك أن ندرك أن الشهادة الجامعية لا تستمد قيمتها من كثرة المؤسسات التي تمنحها، بل من جودة المعرفة التي تحملها، ومن كفاءة الخريج الذي يمثلها، ومن قدرة هذا الخريج على خدمة مجتمعه. ولذلك فإن مستقبل التعليم العالي الفلسطيني لا يكمن في مزيد من التوسع غير المحسوب، بل في تخطيط وطني عميق، وتوزيع عادل للأدوار، وبناء مراكز تميز، وربط حقيقي بين الجامعة والمجتمع والتنمية.* مستشار تربوي، مدير مركز موئل للخدمات التربوية والتطويرية.

فلسطين لا تحتاج جامعاتٍ أكثر.. بل تعليماً عالياً أعمق

رائد محمد الدبعي / المحاضر في قسم العلوم السياسية، جامعة النجاح الوطنية .

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

📰
المقال الكامل متوفر على موقع المصدر
اقرأ الخبر كاملاً من جريدة القدس

شارك هذه المقالة

💬 التعليقات (0)