أمد/ تبدو الحربان في أوكرانيا وإيران مختلفتين ظاهرياً، لكن بحلول عام 2026 أصبح بينهما قاسم مشترك أكثر عمقاً وإثارة للقلق: ففي الحالتين تباعدت الأهداف المعلنة للأطراف الرئيسة بصورة حادة عن النتائج التي أفرزتها القوة العسكرية فعلياً.
دخلت موسكو حربها وهي تسعى إلى إعادة تشكيل البيئة الأمنية الأوروبية وإخضاع أوكرانيا سياسياً، بينما صاغت الولايات المتحدة وشركاؤها في المواجهة مع إيران أهدافاً أكثر تحديداً تتعلق بالردع النووي وتقليص النفوذ العسكري الإيراني، غير أن النتيجة في الحالتين جاءت أقل حسماً وأكثر تعقيداً: مكاسب جزئية، وكلفة هائلة، وغموض استراتيجي متزايد.
وهذه الفجوة بين الطموحات والنتائج ليست تفصيلاً ثانوياً، بل هي مفتاح فهم طبيعة الحروب الحديثة، فالحروب لا تنتهي عادة عندما يحقق طرف ما كل أهدافه، بل عندما تصبح كلفة الاستمرار أعلى من كلفة التسوية. ولهذا، فإن المشهد الدولي اليوم لا يتجه نحو "انتصارات كاملة"، بل نحو ترتيبات انتقالية وهدنات غير مستقرة وتسويات مرحلية يسعى كل طرف إلى تقديمها داخلياً باعتبارها أفضل الممكن لا أكثر.
في أوكرانيا كانت الحسابات الروسية الأصلية قائمة على افتراضات قصوى، فقد راهن الكرملين على انهيار سريع للدولة الأوكرانية، أو في الأقل إخضاعها سياسياً ومنع اندماجها مع الغرب، لكن أياً من ذلك لم يتحقق. صحيح أن روسيا سيطرت على مساحات واسعة وألحقت دماراً هائلاً بالبنية التحتية الأوكرانية، إلا أنها لم تنجح في كسر الدولة الأوكرانية أو إنهاء ارتباط كييف بالغرب، وبدلاً من حرب خاطفة وجدت موسكو نفسها في حرب استنزاف طويلة ذات كلفة عسكرية واقتصادية وديموغرافية مرتفعة.
والأهم أن المكاسب الميدانية لم تتحول إلى حسم سياسي، فاحتلال الأرض لا يعني بالضرورة تحقيق أهداف الحرب. وإذا كان الهدف الروسي يتمثل في فرض تبعية سياسية دائمة على أوكرانيا أو محو توجهها الجيوسياسي المستقل، فإن النتيجة جاءت معاكسة تقريباً، فقد أسهمت الحرب في تعزيز الهوية الوطنية الأوكرانية وترسيخ نزعة أكثر صلابة وعسكرة تجاه روسيا، بما يجعل أي محاولة مستقبلية لإعادة إخضاع أوكرانيا أكثر صعوبة لا أقل.
وفي المقابل، لم تحقق أوكرانيا بدورها كل أهدافها المعلنة، فقد نجحت في البقاء كدولة مستقلة ذات مؤسسات فاعلة وجيش قادر على القتال، وهو إنجاز استراتيجي بحد ذاته في مواجهة قوة عسكرية كبرى، لكنها لم تستعد كامل أراضيها، ولم تتمكن من فرض تسوية بشروطها. ومع ذلك، فإن مجرد تفادي الهزيمة السريعة التي توقعتها موسكو وكثير من المراقبين في بداية الحرب يعد تحولاً جوهرياً في ميزان الصراع.
💬 التعليقات (0)