في الوقت الذي يعيش فيه قطاع غزة واحدة من أكثر المراحل الإنسانية قسوة منذ بداية الحرب، تتصاعد مؤشرات خطيرة تنذر بعودة المجاعة بشكل واسع، بعد التقليص الكبير في عمل التكيات ووجبات الطعام التي كان يوفرها “المطبخ العالمي” وعدد من المؤسسات الإغاثية. هذا التقليص لا يمثل مجرد أزمة عابرة في ملف المساعدات، بل يشكل تحولا خطيرا في حياة مئات آلاف النازحين الذين باتوا يعتمدون بشكل شبه كامل على تلك الوجبات للبقاء على قيد الحياة.
لقد شكلت التكيات خلال الأشهر الماضية شريان الحياة الأساسي للأسر التي فقدت منازلها ومصادر دخلها، خصوصا داخل الخيام ومراكز النزوح. ومع الانهيار الكامل للقدرة الشرائية، وارتفاع أسعار المواد الغذائية بشكل جنوني، أصبحت وجبة التكية بالنسبة لكثير من العائلات هي الوجبة الوحيدة في اليوم. ولذلك فإن أي تقليص في هذا القطاع يفتح الباب مباشرة أمام كارثة إنسانية تتجاوز حدود الجوع إلى الانهيار الاجتماعي والصحي الكامل.
المؤلم أن التحذيرات من هذا السيناريو طرحت منذ أسابيع، وكان بالإمكان التعامل معها مبكرا عبر تحرك سياسي وإغاثي وإعلامي منظم، يضغط باتجاه استمرار تدفق المساعدات الغذائية، أو على الأقل يهيئ بدائل تخفف من حجم الكارثة. لكن حالة البطء والعجز في الاستجابة جعلت الأزمة تتفاقم بصمت، إلى أن بدأت آثارها تظهر بوضوح في حياة الناس اليومية.
اليوم، تعود مشاهد البحث عن الطعام إلى الواجهة بقسوة أكبر. عائلات كثيرة اضطرت بعد توقف بعض التكيات إلى محاولة الطهي داخل الخيام بوسائل بدائية وخطرة، ما أدى بالفعل إلى اندلاع حرائق في عدد من الخيام، وسقوط ضحايا وإصابات، في مشهد يكشف حجم المأساة المركبة التي يعيشها أهالي غزة . فحتى محاولة النجاة من الجوع باتت تحمل خطر الموت.
الأزمة الحالية لا تتعلق فقط بنقص الغذاء، بل بانهيار منظومة الحماية الإنسانية كاملة. حين تعجز الأسرة عن توفير الطعام لأطفالها، فإن كل ما حولها يبدأ بالانهيار: الصحة، والتعليم، والاستقرار النفسي، والعلاقات الاجتماعية. الأطفال الذين يعانون من سوء التغذية اليوم سيدفعون أثمانا صحية ونفسية طويلة الأمد، فيما تتوسع دائرة العجز واليأس داخل المجتمع بصورة غير مسبوقة.
ما يزيد خطورة الوضع أن العالم بدأ يتعامل مع مشهد غزة بوصفه أزمة مستمرة ومعتادة، بينما يعيش الناس هناك استنزافا يوميا يفوق قدرة البشر على الاحتمال. التراجع الإعلامي في تسليط الضوء على المجاعة يوازي خطورة التراجع الإغاثي نفسه، لأن غياب الضغط الشعبي والدولي يمنح الاحتلال مساحة أكبر للاستمرار في سياسات الحصار والتجويع.
💬 التعليقات (0)