أمد/ لم يكن قرار السلطة الفلسطينية سحب ترشيح سفيرها لدى الأمم المتحدة رياض منصور لمنصب نائب رئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة حدثا بروتوكوليا عابرا كما حاول البعض تصويره اعلاميا ورسميا بل موقف كشف مرة أخرى مستوى الاشتباك السياسي والدبلوماسي القائم خلف الكواليس بين واشنطن والقيادة الفلسطينية وحجم الأدوات التي تستخدمها الإدارة الأميركية لإبقاء السقف الفلسطيني منخفضا داخل المؤسسات الدولية وخصوصا في الأمم المتحدة التي تحولت في السنوات الأخيرة إلى إحدى أهم ساحات الصراع السياسي والقانوني حول القضية الفلسطينية والتي تتحكم امريكا في مسيرتها لمصلحة اسرائيل
القرار جاء في توقيت شديد الحساسية يتزامن مع تصاعد العزلة الدولية التي تواجهها إسرائيل بسبب الحرب على غزة وتزايد الضغوط القانونية والسياسية المرتبطة بملفات الاستيطان وجرائم الحرب والتحركات داخل المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية وهو ما جعل أي تقدم فلسطيني داخل المنظومة الأممية ينظر إليه أميركيا وإسرائيليا باعتباره تهديدا مباشرا للرواية الإسرائيلية المكذوبة ولجميع محاولات احتواء الحضور الفلسطيني المتنامي في المحافل الدولية
على الرغم أن منصب نائب رئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة يعد من الناحية الشكلية منصبا إداريا ورمزيا بحتا الا إن واشنطن تعاملت معه باعتباره خطرا سياسيا حقيقيا يهدد اسرائيل لأن من يشغل هذا الموقع يستطيع إدارة جلسات الجمعية العامة في غياب الرئيس والمشاركة في تنظيم النقاشات الدولية الكبرى المتعلقة بالشرق الأوسط والقضية الفلسطينية وهذا ما يفسر حالة القلق الأميركي والإسرائيلي من احتمال ظهور دبلوماسي فلسطيني يدير جلسات رفيعة المستوى داخل أهم منصة سياسية دولية في العالم
اللافت في الواقعة أن فلسطين كانت قد حصلت عمليا على توافق داخل المجموعة الآسيوية لشغل المنصب إلى جانب دول أخرى مثل العراق وأفغانستان وأنغولا ما يعني أن العقبة لم تكن أممية ولا إجرائية بل كانت خطوة سياسية بامتياز جاءت من خارج الأمم المتحدة نفسها وتحديدا من واشنطن التي استخدمت مجددا بشكل متكرر سلاح التأشيرات والضغوط المالية والتهديد بالعقوبات الدبلوماسية لإجبار السلطة الفلسطينية على التراجع
التسريبات الدبلوماسية الأميركية تشير إلى أن إدارة الرئيس دونالد ترامب لم تكتف بالضغط السياسي بل لوحت بإلغاء تأشيرات أعضاء البعثة الفلسطينية المعتمدين لدى الأمم المتحدة في نيويورك وهو تهديد بالغ الخطورة لأنه يستهدف عمليا قدرة الوفد الفلسطيني على العمل داخل المنظمة الدولية ويكشف كيف توظف الولايات المتحدة موقعها كدولة مضيفة لمقر الأمم المتحدة لتحقيق أهداف سياسية تتعارض مع روح الاتفاقيات الدولية التي تلزمها بتسهيل عمل البعثات الدبلوماسية المعتمدة دوليا
الموقف الأهم هنا لا يتعلق فقط بحجم الضغوط الأميركية بل بسبب استجابة السلطة الفلسطينية لها بهذه السرعة رغم أن المنصب لا يحمل ثقلا تنفيذيا كبيرا وهو ما يظهر حقيقة الأزمة البنيوية التي تعيشها السلطة الفلسطينية والتي باتت تعتمد بصورة شبه كاملة على التفاهمات المالية والسياسية مع واشنطن وتل أبيب من أجل ضمان بقائها الاقتصادي والإداري في ظل الأزمة الخانقة الناتجة عن احتجاز اسرائيل لأموال المقاصة وتراجع الدعم الخارجي وتصاعد العجز المالي
💬 التعليقات (0)