أمد/ الخلاف لا يضعف الحركات الوطنية… لكن تحويله إلى معارك علنية يفتح شقوقًا في الجدار ويمنح الخصوم ما عجزوا عن تحقيقه بالمواجهة.
قال الشهيد المدفع صلاح خلف “أبو إياد”، ذات يوم عبارة لم تكن مجرد كلمات تُقال، بل ميثاقا أخلاقيا وسياسيا اختصر تجربة جيل كامل من المناضلين: “أشق صدري ولا أشق فتح”.
لم تكن تلك العبارة لغة شعارات، ولم تكن نتاج لحظة عاطفية، بل كانت تعبيرا عن ثقافة كاملة قامت عليها الحركة الوطنية الفلسطينية؛ ثقافة تُقدّم الجماعة على الفرد، والمشروع على الموقع، والانتماء على المصلحة، والإيثار على الرغبة في الانتصار للنفس.
في ذلك الزمن، لم يكن الرجال يُقاسون بحجم حضورهم الإعلامي، ولا بقدرتهم على كسب المعارك الكلامية، بل بمقدار ما يستطيعون أن يؤجلوا جراحهم الشخصية حتى لا تُجرح الحركة، وأن يؤخروا خلافاتهم حتى لا يُكسر البيت الوطني، وأن يختلفوا كثيرا دون أن يسمحوا للخلاف أن يتحول إلى انقسام أو اشتباك أمام الناس.
كان هناك وعي راسخ بأن الحركات الوطنية الكبرى لا يحميها تاريخها فقط، بل تحميها أخلاق رجالها. وأن أخطر ما قد يصيبها ليس ضغط الخارج وحده، بل لحظة يغيب فيها الإيثار، وتكبر فيها الذوات، وتتحول المواقف إلى منصات، والخلافات إلى مشاهد علنية تستنزف الهيبة وتضعف الثقة.
واليوم، ونحن نتابع حالة التراشق الإعلامي التي تتسع على منصات التواصل الاجتماعي بين أبناء الحركة الواحدة، لا بد من التوقف أمام سؤال موجع وصريح: هل بقيت تلك الروح حاضرة؟ وهل ما زلنا نتعامل مع فتح باعتبارها فكرة وطنية جامعة، أم بدأنا دون أن نشعر نُخضعها لمنطق الاصطفاف والانتصار الذاتي؟
التعليقات (0)