أمد/ حين يتكرَّر التوحُّش، وتتعدَّد المجازر بوصفها مواقيتَ للذاكرة، لا وقائعَ منتهية، تنزاح الكلمة لدى الشاعر الحقيقي من الحيِّز اللغوي إلى فضاءِ الدم، ليفتح أفقًا دلاليًّا يغدو فيه الجسد نصًّا حيًّا، والتاريخ جغرافيةً متحرِّكة، والذاكرة أرشيفَ رؤيةٍ لا تتوقَّف عن إعادة إنتاج ذاتها. ليدور الصراع حول المعنى والشرعية؛ أي معنى الأحقية، في الأرض، والتاريخ، والسرد، وشرعية الحضور، والغياب، والوجود.
من هذا الأفق الفسيح، أطلق الشاعر الفلسطيني عليّ العامري ملحمته "فلسطينياذا" (الدار الأهلية للنشر والتوزيع – عمّان 2023) لتشكّل جدلية المكان بوصفه كيانًا لغويًّا ينبض بالحياة والقدرة، بقدر ما هو فضاءٌ جغرافيٌّ يحاكي التاريخ في ملاحمه الكبرى، كما "الإلياذة" التي تُستعاد هنا في سياقٍ شبيهٍ من حيث البنية، ومختلفٍ من حيث المصير، ليشتقَّ الشاعر عنوانه اللافت من اجتراح الملحمة اليونانية بروحٍ فلسطينية، صاغ بها مصوغات حكم التاريخ، ليستنطقه في وجه عدوِّه: "أنتَ لستَ وريثَ المعنى... أنتَ وريثُ الوهم".
العامري، الذي يعرف "أنَّ المنفى جرحُ المعنى"، لم يكتفِ بالتحليق في فضاءِ الإحالة المستدعاة، وإنَّما خلق إحالته الخاصة، التي تتكئ على خندق الواقع المسيَّج بحكايات الآباء والأمهات والأجداد، ليواجه التاريخ ومستعمِرَه معًا بمرارة الحقيقة، وبالفأس والمنجل ورائحة القهوة. ليس فقط لأنَّه أنتج بنيةً زمنيةً وجغرافيةً لحكاية فلسطين الوطن والأم، ولكن لأنَّ أمَّه قالت له: "دعْ حدسَكَ في القلبِ يرى. هذا العالمُ أعمى".
ولأنَّ أرسطو أول من اعتبر "الملحمة" النموذج الأسمى للشعر السردي، بوصفها محاكاةً لأفعال نبيلة في قالب حكائيٍّ ممتدّ، ومفارقًا بينها وبين "المأساة"، يتحرَّر اقتراح العامري في "فلسطينياذا" من قيود الشعر الصرف، ليقارب فعل التسريد بدون أن يستقرّ فيه، ويفتح نصًّا تتقاطع فيه علاقة التاريخ باللغة، والهوية بالتجربة، على نحو يعيد ترتيب الأسئلة لتصبح أكثر التصاقًا بالواقع، وأشدّ قدرةً على كشف تناقضاته.
بهذا المعنى، لا يتقدّم النص بوصفه بحثًا عن إجابات شافية، وإنّما كاشتغال يُبقي الدلالة في حالة تشكّلٍ دائم، حيث تنكشف التجربة في حدّها الأقصى لحظة قوله: "دمُنا صارَ مدوَّنةً للتهجيرِ وللتطهيرِ العرقيّ".
هنا، حيث يتقدّم الخطاب بوصفه مقولةً واعيةً بشروط السياق السردي ومتطلباته، تتشكّل أداة التقارب الأكثر وضوحًا مع الوطن والأرض والإنسان في مخيال فلسطينيّي الشتات، كخيالٍ جامح أو "خيال بلا عينين"، ممّا يقلّل من وحشة الغياب، ويجعله جزءًا من دورة الطبيعة والحكاية المستمرّة في "غرفٍ بيضاء على جبل"، بما يعزّز فكرة الحضور بشيءٍ من طاقة الطهر والشموخ، المتمثّلين في استدعاء عناصر كالبياض والجبل، فيما الغرفُ غرفٌ للذاكرة التي بقيت عصيّةً على النسيان، وإن سكن ساكنُها "برج القيامة" إلى جوار "نجومٍ زرقاء تضيء الماضي". ومقاربةُ اللون الأزرق بالنجوم للإضاءة توحي بصفاءِ الذكرى وقدسيَّتها.
💬 التعليقات (0)