في كل مرة يحاول فيها متضامنون الوصول إلى غزة بحرًا، لا تنتهي الرحلة عند حدود الحصار فقط، بل تبدأ حكايات أخرى من الاعتقال والعنف، يخرج أصحابها بروايات تشبه شهادات الناجين أكثر من كونها مجرد تجربة احتجاز عابرة. بعد الإفراج عن عدد من المشاركين في “أسطول الحرية” و”أسطول الصمود”، بدأت تتكشف تفاصيل صادمة عمّا قال النشطاء إنهم تعرضوا له عقب اعتراض قوات الاحتلال للسفن في عرض البحر. يروي المشاركون أن الجنود اقتحموا السفن بعنف، وأجبروا المتضامنين على الجلوس أرضًا أو الانبطاح، قبل تقييد أيديهم بأربطة بلاستيكية لساعات طويلة. بعضهم تحدث عن الضرب بأعقاب البنادق والسحل والدفع العنيف أثناء نقلهم من السفن إلى أماكن الاحتجاز. الناشطة الفرنسية صبرينا عزيزي وصفت اللحظات الأولى بعد الاعتقال بأنها “صادمة”، وقالت إن الجنود صادروا جوازات السفر والهواتف فورًا، ومنعوا المحتجزين من أي تواصل خارجي، قبل نقلهم إلى ما وصفته بـ”حاويات معدنية مظلمة وضيقة”. وأضافت أن المحتجزين تعرضوا للحرمان من الطعام والماء والنوم لساعات طويلة، فيما قالت إنها أُجبرت على تلقي حقنة في العنق دون أن يتم إبلاغها بطبيعتها أو سبب إعطائها، الأمر الذي أثار خوفها وشعورها بانعدام الأمان. شهادات أخرى تحدثت عن استخدام الصعق الكهربائي والرصاص المطاطي أثناء السيطرة على السفن، إضافة إلى الإهانات اللفظية والعنصرية، واعتداءات طالت بعض المشاركات، بينها تمزيق الحجاب خلال التفتيش والدفع العنيف أثناء التحقيق والتحرش. أما الناشط فوزي الشحي فوصف أماكن الاحتجاز بأنها “سفن عار”، مؤكدًا أن بعض المحتجزين مُنعوا من شرب الماء لأكثر من 50 ساعة. وقال إنه شاهد آثار عضات كلاب وكدمات واضحة على أجساد عدد من النشطاء بعد التحقيق معهم. ويقول مشاركون إن الاحتلال حاول ممارسة ضغط نفسي متواصل عليهم عبر العزل والحرمان من النوم والصراخ والتهديد بالسجن لفترات طويلة أو تلفيق تهم مختلفة لهم بسبب مشاركتهم في كسر الحصار عن غزة. ورغم قسوة التجربة، يؤكد كثير من النشطاء أن ما عاشوه جعلهم يفهمون جزءًا مما يعيشه الأسرى الفلسطينيون يوميًا داخل السجون الإسرائيلية. أحد المشاركين قال بعد الإفراج عنه: “عشنا أيامًا قليلة فقط، لكنها كانت كافية لندرك حجم العذاب الذي يعيشه الفلسطينيون منذ سنوات”. عدد من النشطاء نُقلوا إلى المستشفيات بعد الإفراج عنهم بسبب إصابات في الرأس والأضلاع وحالات إنهاك حاد نتيجة التجويع وسوء المعاملة. كما قال الناشط الفلسطيني الأميركي هيثم عرفات، أحد المشاركين في “أسطول الصمود”، إن ما تعرض له النشطاء داخل سجون الاحتلال جعله يفهم “جزءًا بسيطًا مما يعيشه الفلسطينيون يوميًا”، واصفًا أماكن الاحتجاز بأنها “معسكرات اعتقال” وليست سجونًا عادية.
وأضاف بعد الإفراج عنه ووصوله إلى الولايات المتحدة: “عوملنا كأننا لسنا بشرًا… كانوا يريدون كسر كرامتنا وإشعارنا أننا حيوانات”. كما قال إن المعتقلين بقوا مقيدين بالأصفاد معظم الوقت، وأُجبروا على الجلوس أو المشي بوضعيات مؤلمة، مضيفًا أن الجنود كانوا يضربون أي شخص يحاول رفع رأسه أو الوقوف بشكل مستقيم.
وتحدث عرفات عن الإهانات والانتهاكات داخل أماكن الاحتجاز، قائلاً إن ما شاهده “لا يمكن لبشر تحمله”، كما وصف جيش الاحتلال بأنه “جيش مغتصب للنساء”، مشيرًا إلى وجود “واقعة اغتصاب مثبتة لامرأة أثناء احتجازها”.
لكن اللافت أن أغلب الشهادات لم تحمل الخوف بقدر ما حملت الإصرار على مواصلة التضامن مع غزة. كثيرون أكدوا أن ما تعرضوا له لن يدفعهم للتراجع، بل زاد قناعتهم بضرورة مواصلة حملات كسر الحصار، معتبرين أن اعتراض السفن المدنية واستخدام القوة ضد المتضامنين يكشف حجم القلق الإسرائيلي من أي محاولة لكسر عزلة القطاع. في النهاية، خرج النشطاء من السجون، لكن رواياتهم بقيت تحمل صورة أخرى للحصار؛ صورة لا تتوقف عند حدود غزة، بل تمتد إلى البحر، حيث يمكن لسفينة تحمل متضامنين ورسائل إنسانية أن تتحول خلال ساعات إلى ساحة اعتقال وعنف مفتوح.
💬 التعليقات (0)