لا تنتهي الحرب في غزة حين يتوقف القصف. أحيانًا تبدأ المأساة الحقيقية بعد ذلك؛ حين يتحول المفقود إلى سؤال مفتوح، وتصبح السنوات الطويلة مجرد انتظار ثقيل بين أملٍ لا يموت وخوفٍ لا يُقال، وهذا ما عاشته عائلة زكي القيشاوي، التي ظلت تبحث عنه لعامين ونصف.
وفي قطعة أرض قريبة من مدرسة صلاح الدين شمال قطاع غزة، لم تكن امرأة تبحث عن شيء أكثر من مساحة صغيرة تنصب فيها خيمتها. حفرت بيديها المتعبتين في التراب الذي ابتلع آلاف الحكايات، لكن الأرض هذه المرة لم تُخرج حجارة ولا بقايا إسمنت، بل أعادت إنسانًا ظل مفقودًا لعامين ونصف.
ظهرت أولًا عظام متناثرة، ثم ملابس قديمة، وجوال، ومفاتيح صدئة. شيئًا فشيئًا، بدأت الملامح تتجمع داخل قلوب العائلة قبل أن تتجمع فوق الأرض. كان هو؛ زكي القيشاوي، الشاب الذي خرج ذات يوم ولم يعد، وبقي معلقًا بين الحياة والشهادة طوال هذه السنوات. منذ اختفائه، لم تتوقف عائلته عن البحث. تنقلوا بين المستشفيات، ومراكز الإيواء، وقوائم الشهداء، والمفقودين، والأسرى، وكل خبر صغير كان يوقظ احتمالًا جديدًا بأنه ما زال حيًا. لكن الحقيقة كانت أقرب إليهم مما تخيلوا؛ مدفونًا قربهم طوال الوقت، تحت تراب الحرب. كتب شقيقه محمد القيشاوي كلمات بدت كأنها خارجة من قلب أنهكه الانتظار: “بعد سنتين ونص من الوجع والبحث والسؤال بين مفقود وشهيد… اليوم عرفنا الحقيقة”. لم يكن زكي مجرد اسم ضمن قوائم المفقودين الكثيرة في غزة. كان حافظًا لكتاب الله، ومدرسًا للتلاوة والتجويد، يعرفه الناس بهدوئه وابتسامته وصوته المطمئن. يقول المقربون منه إنه كان صاحب قلبٍ خفيف على الناس، قريب من الجميع، لا يرد محتاجًا ولا يترك مجلسًا إلا وترك فيه أثرًا طيبًا. حتى بعد عامين ونصف تحت الركام والتراب، بقيت ملابسه كما هي تقريبًا، وكأن الزمن توقف عند لحظة غيابه. التفاصيل الصغيرة التي تعرفت العائلة من خلالها عليه لم تكن مجرد مقتنيات شخصية؛ كانت آخر ما تبقى من حياة كاملة سُرقت فجأة. وجاء العثور عليه يوم جمعة، في الأيام المباركة، لتتحول سنوات الانتظار دفعة واحدة إلى جنازة مؤجلة. شيّعه الناس بأعداد كبيرة، وصلّوا عليه بقلوب مثقلة بالفقد، بينما كانت والدته وزوجته وأطفاله يودعونه أخيرًا بعد رحلة طويلة من الأسئلة المفتوحة. في غزة، لا يُفقد شخص واحد فقط حين تقع الحرب. العائلات كلها تُصاب بشكل مختلف. يقول محمد القيشاوي إن الحرب أوجعتهم بفقد الأحبة جميعًا؛ “ابن شهيد، وأب شهيد، وأخ شهيد”. جملة تختصر كيف تحولت العائلة الفلسطينية إلى دفتر عزاء مفتوح، لا يغلقه الوقت ولا تنهيه الهدن. قصة زكي تكشف الوجه الأثقل للحرب؛ وجه المفقودين الذين يظلون عالقين بين الأرض والذاكرة لسنوات، بينما تستنزف عائلاتهم أعمارها في الانتظار. ففي القطاع الذي امتلأت أرضه بالمقابر الجماعية والبيوت المدمرة، ما زالت عشرات العائلات تبحث حتى اليوم عن أثر، أو قطعة قماش، أو هاتف قديم، يعيد إليها أبناءها ولو شهداء. أما زكي، فقد عاد أخيرًا إلى اسمه، بعد أن كاد يتحول إلى مجرد رقم آخر في قائمة طويلة من الغائبين. وبحسب بيانات مركز الإحصاء الفلسطيني، تجاوز عدد المفقودين في قطاع غزة 11 ألفًا و200 مفقود منذ بداية الحرب، بينهم نحو 4700 من النساء والأطفال، فيما ارتفع عدد الجرحى إلى أكثر من 172 ألف مصاب، ووصل عدد الشهداء حتى نهاية عام 2025 إلى أكثر من 70 ألفًا و942 شهيدًا، بينهم 18 ألفًا و592 طفلًا ونحو 12 ألفًا و400 امرأة.
وفي مدينة امتلأت بالمقابر المؤقتة والبيوت المدمرة، يبقى ملف المفقودين أحد أكثر وجوه الحرب قسوة؛ حيث لا تنتهي المأساة عند الموت، بل تبدأ أحيانًا من الانتظار الطويل.
التعليقات (0)