f 𝕏 W
الدولة الواحدة.. خيار الوجود المشترك على أرضٍ باركها الله للعالَمنَ

جريدة القدس

سياسة منذ ساعة 👁 0 ⏱ 5 د قراءة
زيارة المصدر ←

الدولة الواحدة.. خيار الوجود المشترك على أرضٍ باركها الله للعالَمنَ

الأحد 24 مايو 2026 10:17 صباحًا - بتوقيت القدس

منذ أن تفتَّحت عيناي على الحياة، وأنا أستمع إلى رواية أبي عن فلسطين قبل النكبة؛ فلسطين التي عاش فيها المسلمون والمسيحيون واليهود في حالةٍ من التعايش والأمن الاجتماعي، قبل أن يفرض الانتداب البريطاني واقعًا جديدًا فتح الباب أمام المشروع الصهيوني والهجرة المنظمة من أوروبا. كان أبي يقول بحسرة: "كنَّا نعيش معًا، وفجأة انهار كلُّ شيء، وصِرْنا لاجئين".ومع النكبة وما تبعها من احتلالٍ وحروب، تشكَّل الوعي الفلسطيني بين خطابٍ قوميٍّ تحرُّري رفع شعار الكفاح الوطني، وخطابٍ إسلامي رأى في فلسطين قضيةً مركزيةً للأمة الإسلامية. وبعد هزيمة عام 1967، تصاعد الشعور بالإحباط، وبدأت التيارات الإسلامية، المتأثرة بأفكار الوحدة الإسلامية والثورة الإيرانية بقيادة الإمام الخميني، تنظر إلى القضية الفلسطينية بوصفها قضيةً دينيةً وأخلاقيةً إلى جانب بعدها الوطني.ومع مرور الوقت، أخذ الصراع طابعًا صفريًّا؛ "إمَّا نحن وإمَّا هم"، فتمدَّد التطرُّف على الجانبين. فكما ظهرت تيارات فلسطينية وإسلامية رأت أن الصراع وجوديٌّ لا يقبل الشراكة، تمدَّد أيضًا التطرُّف الصهيوني داخل المجتمع الإسرائيلي، خصوصًا في أوساط المستوطنين والتيارات الدينية القومية التي تبنَّت فكرة "إسرائيل الكبرى"، وسعت إلى تهجير الفلسطينيين وإقصائهم.وبعد إفشال اتفاقية أوسلو على يد بنيامين نتنياهو وتحالفات اليمين المتطرّف، دخل الفلسطينيون مرحلةً من الانسداد السياسي والتهديد الوجودي. ثم جاءت حرب غزة الأخيرة، بما حملته من قتلٍ ودمارٍ وتجويع، لتكشف حجم المأساة الإنسانية، وتؤكد أن استمرار الاحتلال والاستيطان لا يمكن أن يقود إلى سلامٍ حقيقي.ومن وجهة نظري، فإن المشكلة بين المسلمين واليهود في فلسطين لم تكن يومًا دينيةً في أصلها، بل سياسيةً واستعمارية. فاليهود عاشوا قرونًا طويلةً في ظل الحضارة الإسلامية، وكان بينهم وبين المسلمين والمسيحيين تعايشٌ واستقرارٌ نسبي. كما أن الأديان الثلاثة تعود، من حيث الامتداد الإيماني، إلى نبي الله إبراهيم عليه السلام، وقد حسم القرآن الكريم هذه الحقيقة بقوله تعالى:﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾.ولهذا، فإن توظيف الدين لتبرير الاحتلال والاستيطان يبقى قراءةً سياسيةً منحازة، لا تمثل حتى جميع اليهود. وقد برزت خلال السنوات الأخيرة أصواتٌ يهوديةٌ وحاخاميةٌ رافضةٌ للحرب والدعوات العنصرية، من بينها الحاخام يسرائيل دافيد فايس من جماعة "ناطوري كارتا"، إلى جانب شخصيات فكرية مثل نعوم تشومسكي، ونورمان فنكلستاين، وإيلان بابيه، ونعومي كلاين، الذين انتقدوا الاحتلال وسياسات الإبادة، ودعوا إلى العدالة والعيش المشترك.كما لعبت منظمات يهودية داعمة لحركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS)، مثل "الصوت اليهودي من أجل السلام" و"الشبكة اليهودية من أجل فلسطين"، دورًا مهمًّا في تحريك المظاهرات العالمية المناهضة للحرب، وأسهمت في إحداث تحوُّلٍ ملحوظ داخل الرأي العام الغربي، الذي بات أكثر تفهمًا للمظلومية الفلسطينية وأكثر انتقادًا لسياسات الاحتلال والتطهير العرقي.وفي هذا السياق، يبرز ما طرحه المؤرخ الإسرائيلي عمر بارتوف في كتابه "إسرائيل: ما الخطأ الذي جرى؟"، حيث يرى أن استمرار المشروع الصهيوني بصيغته الإقصائية يقود إلى كارثةٍ أخلاقيةٍ وسياسية على الشعبين، ويطرح تصوراتٍ تقوم على الشراكة السياسية والعيش المشترك ضمن صيغةٍ فيدرالية أو كونفدرالية.ولعلَّ ما يدفعني اليوم لإعادة طرح فكرة "الدولة الواحدة ثنائية القومية" أن هذه الرؤية ليست جديدة بالنسبة لي؛ ففي عام 1998 وضعتُ الخطوط العريضة لكتاب باللغة الإنجليزية بعنوان: One State Solution… A Matter of Time، تناولتُ فيه إمكانية التعايش بين الفلسطينيين واليهود ضمن دولةٍ واحدة تقوم على المواطنة المتساوية والعدالة والشراكة السياسية، لكنني أرجأت نشره بسبب طبيعة المناخ السياسي آنذاك وهيمنة خطاب الصراع الصفري.واليوم، وبعد كلِّ ما شهدناه من حروبٍ ومجازر وانسدادٍ سياسي، أعتقد أن فكرة "الدولة الواحدة" لم تعد مجرد حلمٍ طوباوي، بل قد تصبح خيارًا واقعيًّا، خاصةً مع التحولات المتسارعة في الرأي العام العالمي، وازدياد الأصوات اليهودية والغربية المطالبة بإنهاء الاحتلال والتعايش بين الشعبين.إنَّ مستقبل هذه الأرض التي باركها الله للعالمين لا يمكن أن يُبنى على الإقصاء والكراهية، بل على العدالة والمصالحة والاعتراف المتبادل، حتى يتمكن الفلسطيني واليهودي من العيش معًا في وطنٍ يتسع للكرامة الإنسانية والسلام.ختامًا، قد تبدو مثل هذه الأفكار ثقيلةً في زمنٍ ينزف فيه الدم الفلسطيني بغزارةٍ تحت وطأة التطرّف اليميني الصهيوني، لكنني أراها بدايةً لنهاية المشروع الإقصائي، وبدايةً لمسارٍ جديدٍ يقوم على دولةٍ واحدةٍ لكلِّ مواطنيها، تُعيد إلى فلسطين معناها التاريخي بوصفها أرضَ التعايش والتسامح ووطنَ الأنبياء والرسالات.

الدولة الواحدة.. خيار الوجود المشترك على أرضٍ باركها الله للعالَمنَ

أ.د جولتان حسن حجازي: أستاذ علم النفس

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

📰
المقال الكامل متوفر على موقع المصدر
اقرأ الخبر كاملاً من جريدة القدس

شارك هذه المقالة

💬 التعليقات (0)