الأحد 24 مايو 2026 10:09 صباحًا - بتوقيت القدس
تدخل السلطة الفلسطينية واحدة من أكثر مراحلها الاقتصادية تعقيداً منذ نشأتها، ليس فقط بسبب حجم الأزمة المالية الحالية، بل بسبب طبيعة التحولات السياسية والاقتصادية المحيطة بها، والتي توحي بأن أزمة المقاصة لم تعد أزمة مؤقتة قابلة للحل عبر الوساطات التقليدية أو التدخلات الدولية المعتادة، بل مرشحة لأن تتحول إلى واقع طويل الأمد يعيد صياغة شكل الاقتصاد الفلسطيني وحدود قدرة السلطة على الاستمرار بالصيغة الحالية.مؤخراً، تصاعد الحديث داخل دوائر الاحتلال عن توسيع الاقتطاعات المالية من أموال المقاصة، وربطها بملفات متعددة تتجاوز السياق التقليدي المعروف، بما يشمل مطالبات وتعويضات وتكاليف مرتبطة بكل فعل مقاوم أو حتى حادث سير، ومع تراجع حجم الأموال المحولة فعلياً إلى السلطة، بات النقاش يدور للمرة الأولى حول سيناريوهات أكثر خطورة، يتمثل أحدها في احتمال تحول المقاصة نفسها إلى عبء مالي أو دين متراكم على السلطة، بدلاً من كونها مورداً مالياً أساسياً لها.هذا التحول لا يعكس فقط حجم الأزمة المالية، بل أيضاً هشاشة النموذج الاقتصادي الذي تَشكلَ منذ اوسلو، والقائم بدرجة كبيرة على الاعتماد على المقاصة باعتبارها العمود الفقري للموازنة الفلسطينية، فيما لم تنجح الحكومات الفلسطينية المتعاقبة في بناء بدائل اقتصادية تقلل من هذا الاعتماد، سواء بسبب القيود التي يفرضها الاحتلال على الموارد والمعابر والحركة، أو بسبب طبيعة الاقتصاد الفلسطيني نفسه بوصفه اقتصاداً محدود الأدوات والسيادة.في المقابل، يبدو المشهد السياسي هو الأكثر تعقيداً، السلطة انتظرت طويلاً تغيراً في المشهد الإسرائيلي أو الدولي يخفف الضغوط الاقتصادية والسياسية، سواء عبر سقوط حكومة اليمين أو عودة مسار سياسي قادر على إعادة الاستقرار المالي والدعم الدولي، غير أن الواقع كان العكس تماماً، استمرت حكومتة رغم الأزمات والحروب، وتوسع نفوذها الاستيطاني في الضفة بصورة غير مسبوقة.وهو ما يفرض على السلطة التفكير بخيارات مختلفة، لأن خياراتها الحالية لم تعد كافية لمعالجة أزمة مرشحة للاستمرار والتفاقم، وهنا تبرز عدة سيناريوهات محتملة، ولكل منها كلفته السياسية والاقتصادية.الخيار القائم حالياً، الذي يبدو للبعض أنه الأقل كلفة، وهو لا يقل خطورة عن غيره، بل ربما يكون الأخطر، لأنه يقوم على إدارة الاستنزاف لا معالجته، حيث يموت المريض تدريجيً، فيما يظن أن وضعه مستقر، يتمثل -هذا الخيار- في استمرار سياسة الاحتواء أو البحث عن دعم عربي ودولي، وتوسيع الاقتراض الداخلي، فضلاً عن الحديث المتكرر عن تقليص النفقات العامة، وهو خيار قد يشتري الوقت ويجنبها الانهيار السريع، لكنه لا يقدم حلاً جذرياً.الخيار الثاني يتطلب إعادة هيكلة عميقة للاقتصاد وتخفيف الاعتماد على الاقتصاد الإسرائيلي، شعار رفعته حكومات سابقة، لكنه بقي حبيس الأدراج، فيما الواقع كان العكس تماماً، وهو مسار يحتاج إلى حد أدنى من الاستقرار السياسي يصعب توفيره.أما الخيار الثالث، وهو الأكثر حساسية، فيرتبط بإعادة تعريف العلاقة الاقتصادية والسياسية مع الاحتلال، وهذا يبدو غير ممكن حالياً، أو خلال السنوات القليلة المقبلة، خاصة بعد أن انفض مؤتمر فتح الثامن دون تغيير يُذكر.وبالتالي، فإن التحدي الحقيقي لم يعد فقط في كيفية تجاوز الأزمة الحالية، بل في قدرة النظام السياسي الفلسطيني على التكيف مع واقع اقتصادي وسياسي يزداد سوءاً يوماً بعد آخر، ويبدو مرشحاً للاستمرار لسنوات طويلة إذا استمر هذا النظام بصيغته الحالية. فالمشكلة لم تعد مجرد أزمة مالية طارئة، بل أصبحت استنزافاً تدريجياً للنموذج الذي قام عليه النظام الفلسطيني منذ أوسلو.
كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.
ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.
💬 التعليقات (0)