f 𝕏 W
المقاهي ودورها في المشهد الثقافي المقدسي

جريدة القدس

فنون منذ ساعة 👁 0 ⏱ 5 د قراءة
زيارة المصدر ←

المقاهي ودورها في المشهد الثقافي المقدسي

الأحد 24 مايو 2026 10:09 صباحًا - بتوقيت القدس

يبدأ المشهد اليومي في أحد مقاهي البلدة القديمة في القدس، برجلٍ مسنٍّ يقلب ببطء صحيفةً ورقية، بينما يعلو صوت فناجين القهوة من الطاولات المجاورة، يعرف النادل معظم الجالسين بأسمائهم، ويضع أكواب القهوة قبل أن يطلبها أصحابها أحيانًا، قرب النافذة يجلس شاب يفتح حاسوبه المحمول، منشغلًا بعالمه الرقمي، فيما يدخل رجل آخر ليسأل عن أخبار المدينة والمحال التي أُغلقت مؤخرًا في سوق "الخواجات"، في الخارج تمرّ القدس بإيقاعها المتوتر المعتاد، أما في الداخل فتبدو الطاولات كأنها تحاول حماية ما تبقّى من الحياة العامة في المدينة.تُعتبر المقاهي في القدس جزءًا من الإيقاع الثقافي والاجتماعي للمدينة، فمنذ عقود طويلة شكّلت المقاهي فضاءات يومية يلتقي فيها الناس حول الحوار والأخبار والموسيقى والذاكرة، ولهذا ارتبطت المقاهي المقدسية بالحياة اليومية أكثر مما ارتبطت بفكرة الاستهلاك السريع.يبدأ الواقع من الذاكرة اليوميةلعبت المقاهي الشعبية تاريخيًا دورًا يتجاوز وظيفتها التجارية المباشرة، فكانت أماكن لقراءة الصحف، وسماع نشرات الأخبار، ولقاء الكتّاب والفنانين والطلبة والعاملين في المدينة، وبعض النقاشات التي تبدأ بخبرعابر كانت تتحول سريعاً إلى حديث طويل عن التعليم والهوية والعمل وتغيّر شكل المدينة، وأحيانًا كانت فكرة نشاطثقافي أو أمسية فنية، تولد من جلسة عادية حول طاولة صغيرة.لعبت المقاهي في مراحل كثيرة من تاريخ القدس دورًا قريبًا من "المنتدى الشعبي" غير المعلن، مكان يلتقي فيه الصحفي بالمعلم، والطالب بالعامل، والفنان بالناشط الاجتماعي، دون دعوات رسمية أو ترتيبات مسبقة، ولهذا اكتسبت المقاهي المقدسية خصوصيتها بوصفها مساحة اختلط فيها الثقافي باليومي، والعابر بالشخصي، والهم الفردي بالسؤال العام عن المدينة ومصيرها.تحفظ القدس ذاكرتها بطرق عديدة، ومنها الحكايات التي تتكرر داخل المقاهي، رجل يتذكر متجرًا أُغلق قبل سنوات، وآخر يستعيد أسماء أشخاص غادروا المدينة، وثالث يتحدث عن شارع تغيّرت ملامحه بعد ارتفاع الإيجارات وتحول كثير من المحال الصغيرة إلى مشاريع تجارية سريعة لا تشبه ذاكرة المكان، اليوم يتغيّر شكل المقاهي في القدس كما تتغيّر المدينة نفسها، بعض المقاهي الشعبية القديمة ما يزال يحتفظ بإيقاعه البسيط وأحاديثه الطويلة، وفي المقابل ظهرت مقاهٍ حديثة أقرب إلى فضاءات العمل الفردي واللقاءات السريعة، حيث يجلس الناس حول الطاولة نفسها، لكن كل واحد منهم منشغل بهاتفه أو حاسوبه.هذا التحول لا يمكن اعتباره سلبيًا بالكامل، فلكل جيل طريقته في استخدام المكان وبناء علاقته بالمدينة، لكن المقهى المقدسي يقف اليوم بين صورتين: صورة المكان الشعبي المرتبط بالحكاية اليومية، وصورة المقهى المعاصر الذي يحاول التكيف مع إيقاع الحياة الحديثة ومتطلبات السوق الجديدة.تكشف التحديات ضيق المساحة العامةتواجه المقاهي في القدس، إلى جانب التحديات الاقتصادية، تحديات تتعلق بموقعها داخل الحياة الثقافية والاجتماعية للمدينة، فارتفاع الإيجارات، وتكاليف التشغيل، والضرائب الباهظة التي تفرضها بلدية الاحتلال، إلى جانب تراجع القدرة الشرائية، كلها عوامل تدفع كثيرًا من المقاهي إلى التركيز على البعد الاستهلاكي السريع على حساب دورها الاجتماعي والثقافي.كما أثّرت الرقمنة بشكل واضح على طبيعة العلاقة داخل المقاهي نفسها، إذ صار جزء كبير من الحوار يحدث عبر الشاشات بدل الطاولات التي كانت تعرف أسماء الجالسين حولها، فيما تراجعت النقاشات الطويلة التي كانت تمنح المكان روحه الإنسانية الخاصة، وحين تخسر المدينة الدور الثقافي لمقاهيها، تخسر جزءًا من قدرتها على الكلام، فالمقهى في القدس يجسد مساحة التنفّس الصغيرة للمقدسي، كي لا يشعر أنه يعيش وحيدًا داخل مدينة تتغيّر بسرعة.إلى جانب ذلك، تعيش القدس أصلًا حالة تضييق مستمرة في فضاءاتها العامة، ما يجعل خسارة الدور الثقافي للمقهى أكثر خطورة، فخسارة المساحات الطبيعية للحوار والتفاعل وإنتاج الأفكار اليومية تضعف روح المدينة وتماسك سكانها، كما أن بعض المقاهي بات يخشى الدخول في أي نشاط ثقافي بسبب التعقيدات السياسية والانقسامات الداخلية، أو خشية الخسارة التجارية، وضعف الدعم الثقافي القادر على تعزيز موارد المقهى واستمراريته.تعيد الفرص الممكنة التفكير بدور المقهىمع ذلك ما تزال المقاهي تمتلك فرصة حقيقية لاستعادة جزء مهم من دورها الثقافي، خاصة لأنها الأقرب إلى الناس والأكثر قدرة على خلق تواصل يومي طبيعي بعيدًا عن الرسمية والتكلف، فالمدينة لا تحتاج دائمًا إلى مشاريع ضخمة كي تنتج حياة ثقافية حقيقية، بل تحتاج أحيانًا إلى أماكن، تسمح للناس باللقاء والتفكير والكلام.ويمكن للمقاهي أن تستعيد هذا الدور عبر خطوات بسيطة لكنها مؤثرة مثل توفير زاوية كتب صغيرة، تنظيم أمسيات حكواتي لرواية القصص المقدسية، عرض صور قديمة للمدينة، تنظيم لقاءات مع كتّاب وفنانين شباب، أو تخصيص طاولة أسبوعية للحوار حول قضايا القدس والحياة اليومية فيها، كما يمكن خلق شراكات حقيقية بين المقاهي والمؤسسات الثقافية والمبادرات الشبابية بما يساعد على تحويل بعض المقاهي إلى منصات ثقافية يومية قريبة من الناس.وربما تكمن قوة المقهى المقدسي في قدرته على الجمع بين البساطة والحياة اليومية من جهة، وبين إنتاج المعنى الثقافي من جهة أخرى، فالمكان الذي يبدأ بفنجان قهوة يتحول بفعل الإرادة إلى مساحة لتوليد الأفكار أو استعادة الذاكرة أو شعور شخص ما أن المدينة ما تزال تعرفه رغم كل ما يتغير حوله.فالثقافة لا تبدأ دائمًا من المؤسسة أو المسرح أو المنصة، بل تبدأ من تفاصيل الحياة اليومية، من طاولة يجلس حولها أشخاص يحاولون فهم مدينتهم معًا، ولهذا تبدو المقاهي في القدس أكثر من فضاءات تجارية، إنها جزء من الذاكرة اليومية للمدينة ومن قدرتها على الحفاظ على صوتها الإنساني وسط كل هذا التغير السريع، وحين تنجح المقاهي في استعادة دورها الثقافي، فإنها لا تحمي نفسها فقط، بل تساعد القدس أيضًا على حماية حقها في اللقاء والحوار ورواية حكايتها بصوت سكانها الأصليين.

المقاهي ودورها في المشهد الثقافي المقدسي

محمد قاروط أبو رحمة : عضو مجلس إدارة أكاديمية فتح الفكرية

صدقي أبو ضهير :باحث ومستشار بالاعلام والتسويق الرقمي

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

📰
المقال الكامل متوفر على موقع المصدر
اقرأ الخبر كاملاً من جريدة القدس

شارك هذه المقالة

💬 التعليقات (0)