f 𝕏 W
ما تبقّى من إنسانيتنا..

راية اف ام

تقارير منذ ساعة 👁 0 ⏱ 3 د قراءة
زيارة المصدر ←

ما تبقّى من إنسانيتنا..

ليست كل الزيارات تُقاس بالوقت، ولا كل الأماكن تُغادر حين نغادرها. هناك أماكن تدخلها فتخرج منها شخصاً آخر، ولو قليلاً. وهذا ما حدث في زيارتي إلى قرى الأطفال SOS في بيت لحم. ظننت، كما يظن كثيرون، أنني ذاهب إلى مؤسسة انسانية تحمل ملفاتٍ وتقارير وأرقاماً وإحصائيات عن الأطفال فاقدي الرعاية الأسرية. لكنني اكتشفت منذ اللحظة الأولى أنني كنت ذاهباً إلى امتحان إنساني هادئ، إلى مكان يعيد تعريف معنى العائلة، ومعنى النجاة، ومعنى أن يبقى الإنسان إنساناً رغم كل ما كُتب عليه من ألم. قبل أن تطأ قدمك العتبة، ت..

ليست كل الزيارات تُقاس بالوقت، ولا كل الأماكن تُغادر حين نغادرها. هناك أماكن تدخلها فتخرج منها شخصاً آخر، ولو قليلاً. وهذا ما حدث في زيارتي إلى قرى الأطفال SOS في بيت لحم. ظننت، كما يظن كثيرون، أنني ذاهب إلى مؤسسة انسانية تحمل ملفاتٍ وتقارير وأرقاماً وإحصائيات عن الأطفال فاقدي الرعاية الأسرية. لكنني اكتشفت منذ اللحظة الأولى أنني كنت ذاهباً إلى امتحان إنساني هادئ، إلى مكان يعيد تعريف معنى العائلة، ومعنى النجاة، ومعنى أن يبقى الإنسان إنساناً رغم كل ما كُتب عليه من ألم.

قبل أن تطأ قدمك العتبة، تتخيل مؤسسة تشبه المؤسسات: مكاتب، تعليمات، روتين يومي بارد. لكنك تُفاجأ بشيء آخر تماماً. بصوت طفل يضحك كأنه يتحدى العالم، وبرسومات صغيرة معلّقة على الجدران، وبألعاب متناثرة لا تعبّر عن الفوضى بقدر ما تعبّر عن الحياة. هناك، في تلك القرية التي تأسست عام 1968، لا تشعر أنك داخل “مركز رعاية”، بل داخل محاولة إنسانية عميقة لترميم ما كسرته الحياة في أرواح صغيرة لم تنل من طفولتها سوى الاسم.

كان أول ما لفتني ذلك التناقض المؤلم بين خفة الأطفال وثقل ما يحملونه في داخلهم. أطفال يركضون ويضحكون ويلعبون، لكن وراء كل ضحكة حكاية فقد أو خوف أو حرب أو غياب. بعضهم جاء من غزة، من رفح تحديداً، من الأماكن التي لم تترك الحرب فيها حجراً ولا ذاكرة إلا وجرحتها. أطفال خرجوا من تحت الدخان والركام ليصلوا إلى بيت يحاول أن يقول لهم إن العالم ليس كله خراباً.

في لحظة ما، أمسك طفل صغير بيدي دون مقدمات، كما لو أنه اتخذ قراراً داخلياً سريعاً بأن هذا الشخص آمن. كانت لحظة بسيطة في ظاهرها، لكنها هزّت شيئاً عميقاً في داخلي. أدركت حينها أن الأطفال لا يختبرون الناس بالكلمات، بل بالشعور. الطفل لا يسأل عن موقعك أو منصبك أو أفكارك السياسية، بل يسأل غريزياً: هل ستؤذيني أم ستطمئنني؟ وهل ستبقى أم سترحل مثل آخرين كثيرين؟

طفلة صغيرة لفتت انتباهي كثيراً. كانت أصغر إخوتها، وصلت إلى القرية وعمرها عام وثمانية أشهر فقط، تحمل صعوبة في النطق والاندماج. ربما كانت الحرب قد سرقت منها شيئاً أكبر من قدرتها على الكلام؛ سرقت منها شعورها الأول بالأمان. لكن الرعاية الهادئة، والصبر الإنساني، والاحتضان اليومي، أعادوها تدريجياً إلى الحياة. أصبحت تذهب إلى الروضة، تشارك الأطفال ألعابهم، وتضحك دون خوف. بدا الأمر وكأنه معجزة صغيرة، لكنه في الحقيقة نتيجة الحب حين يتحول إلى عمل يومي صامت.

في هذا المكان، لا تُصنع المعجزات بالخطب الرنانة ولا بالشعارات الكبيرة. بل تُصنع بالتفاصيل الصغيرة التي قد لا يراها أحد: يد تربت على كتف طفل مذعور، متابعة نفسية لطفلة تخاف النوم وحدها، أو أم بديلة تقضي الليل إلى جانب طفل مريض حتى يهدأ. هنا يصبح الاحتضان شكلاً من أشكال المقاومة الإنسانية ضد القسوة.

📰
المقال الكامل متوفر على موقع المصدر
اقرأ الخبر كاملاً من راية اف ام

شارك هذه المقالة

💬 التعليقات (0)