للمرة الأولى في حياتهم، بدأ أطفال فلسطينيون من قطاع غزة يميزون الأصوات من حولهم. أصوات الأمهات، وقع الأقدام، ضحكات الإخوة، وصفير الريح بين النوافذ. أشياء بدت عادية بالنسبة للأطفال الآخرين، لكنها بالنسبة لهم كانت اكتشافًا جديدًا يشبه الولادة الثانية. الأطفال الستة عشر، الذين عانوا لسنوات من فقدان أو ضعف شديد في السمع، وصلوا إلى الأردن ضمن برنامج علاجي رعته جهات طبية وإنسانية، حيث خضعوا لعمليات زراعة قوقعة سمعية بعد انتظار طويل. كانت الرحلة بالنسبة لعائلاتهم أشبه بمحاولة انتشال أطفالهم من عزلة الصمت التي عاشوا فيها منذ الولادة. وبعد نجاح العمليات، احتاج الأطفال إلى فترة متابعة وتأهيل سمعي حتى يتمكنوا من التفاعل مع الأصوات الجديدة وتدريب الدماغ على فهمها. تقول إحدى الأمهات إن طفلها ظل طوال الأيام الأولى يلتفت بدهشة نحو أي صوت يسمعه، وكأنه يكتشف العالم للمرة الأولى. بينما لم تتوقف أم أخرى عن البكاء حين سمع طفلها صوتها ونظر إليها مبتسمًا. لكن الرحلة التي بدأت بالأمل تحولت سريعًا إلى معاناة جديدة. فعند وصول العائلات إلى جسر الملك حسين استعدادًا للعودة إلى قطاع غزة، أبلغتهم سلطات الاحتلال بمنع إدخال ملحقات أجهزة القوقعة السمعية الخاصة بالأطفال، رغم أنها جزء أساسي لا تعمل الأجهزة من دونه. وتقول العائلات إنهم صُدموا بالقرار، لأن عودة الأطفال دون الملحقات تعني عمليًا فقدان فائدة العمليات بالكامل، وحرمانهم مجددًا من السمع. وطُلب من الأهالي الاختيار بين التخلي عن الأجهزة والملحقات أو العودة إلى الأردن. وبحسب شهادات العائلات، رفضت 11 عائلة العبور دون الأجهزة، وقررت العودة إلى الأردن رغم صعوبة الظروف، بينما اضطرت خمس عائلات فقط للعودة إلى غزة بعد التخلي عن مقتنيات شخصية وهواتف وأدوية وطعام كانت بحوزتهم.
ومنذ ذلك الوقت، يعيش عدد من الأطفال بعيدًا عن بيوتهم داخل أماكن إقامة مؤقتة في الأردن، بانتظار حل يسمح لهم بالعودة بأجهزتهم الطبية. وتقول الأمهات إن الأطفال لا يفهمون سبب منعهم من العودة، ويسألون باستمرار عن بيوتهم وإخوتهم الذين تركوهم في غزة.
وبين حدود مغلقة وأجهزة معلقة على أمل العودة، يبقى الأطفال الستة عشر عالقين بين عالمين؛ عالم الصمت الذي حاولوا الخروج منه، وعالم لا يسمح لهم بسهولة بالعودة إلى بيوتهم حتى بعد أن بدأوا يسمعون الحياة للمرة الأولى.
💬 التعليقات (0)