حظيت مصر طوال أكثر من ألف عام بشرف صناعة كسوة الكعبة المشرفة وإرسالها إلى مكة المكرمة، في تقليد إسلامي متجذر تعاقبت عليه دول وسلاطين وعلماء، وترك في وجدان المسلمين أثرا لا يمحوه الزمان.
وبدأت هذه الرحلة الروحية في عهد الدولة الفاطمية حين كانت الكسوة تُرسل بصورة متقطعة، قبل أن تتحول إلى تقليد سنوي منظم تطوع له الدولة إمكاناتها كلها.
وارتبط تحويل هذا التقليد إلى موكب رسمي بقصة من أبرز قصص التاريخ الإسلامي، إذ نوت السلطانة شجرة الدر التوجه إلى الحج، فصُنِعَ لها هودج خاص تجلس بداخله، وحملت معها الكسوة المشرفة داخل الهودج، ومن هذه الحادثة وُلِدَ اسم "المحمل" الذي صار علامة على موكب مصر الكبير نحو البيت الحرام في مكة المكرمة.
وأصدر السلطان المملوكي الظاهر بيبرس فرمانا تاريخيا بأن تُرسل الكسوة والمحمل سنويا وبصورة رسمية من القاهرة، ليتحول ما كان مبادرة فردية إلى التزام دولة بأكملها نحو بيت الله الحرام.
وفي القرن التاسع عشر بلغت هذه الصناعة ذروتها حين أُنشِئَ مصنع الكسوة الشريفة في حي الخرنفش بالقاهرة، وتحول إلى خلية تجمع أمهر النساجين والخطاطين في مصر.
وكانت الكسوة تُنسج من الحرير الطبيعي الأسود، وتُطرز بآيات قرآنية كريمة بخيوط من الذهب والفضة الخالصين على أنوال يدوية دقيقة، يفرغ فيها الحرفي جهده وإيمانه في آن واحد، وكانت مناسبة خروج المحمل من القاهرة أشبه بعيد قومي كبير، تصحبه زفة شعبية وموكب مهيب يصطف حوله الجنود بطرابيشهم الحمراء، ويودعه كبار رجال الدولة.
💬 التعليقات (0)