أمد/ تتوجه الانظار اليوم لعملية اعادة اعمار قطاع غزة كونها عملية مرهونة بتحديد شكل النظام السياسي والاداري والمجتمع الذي نريده للمستقبل وبإعتبارها اختباراً وطنياً وأخلاقياً واستحقاقاً هاماً تبني عليها امالاً كبيرة لجهة تحقيق الاستنهاض واعادة البناء. فالمجتمعات التي خرجت من الحروب الكبرى لم تنهض بالإغاثة وحدها، ولم تتحول إلى نماذج تنموية عبر المعالجات المشتتة الغير منسقة وردود الفعل المؤقتة وإنما عبر التخطيط الاستراتيجي طويل الأمد الذي قاده مخططون محترفون، وخبراء تنمية، ومؤسسات تؤمن بالحوكمة والحكم الرشيد. فلم يعد مقبولاً ان تنحصر فكرة اعادة الاعمار كمشروع هندسي لإزالة الركام وبناء الأبراج وفتح الطرقات بل يجب ان تتحول الي عملية بناء تنموي شامل مستدام نؤسس خلالها نموذجاً عابر للاجيال.. وهذا يدفعنا للتساؤل حول من هم المخططون المسؤولون عن رسم مستقبل غزة الجديد ومن هي العقول التي ستضع الرؤية الاستراتيجي التنموية المستدامة التي ستضمن ألا تتحول عملية اعادة الإعمار إلى دورة جديدة من الاستهلاك والفوضى وإعادة إنتاج الأزمات السابقة التي تسببت باضرار جسيمة لاجيال قادمة. فقطاع غزة لا ينقصه التمويل فقط بل ينقصه العقل التخطيطي الجامع القادر على تحويل هذه الكارثة إلى فرصة تاريخية لإعادة بناء الإنسان والمؤسسات والبنية التحتية المادية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وذلك عبر فتح المجال أمام استقطاب الخبراء والكفاءات للمساهمة في التخطيط وصنع السياسات وبناء الجسور للمستقبل. إن الحديث عن الحوكمة في غزة يجب ان يتعدي كونه شعاراً سياسياً أو عنواناً نظرياً في البيانات الرسمية والمحافل بل من الاهمية بمكان أن يتحول إلى منطلقات عملية وحقيقية تترجم الي الواقع تبدأ بتشكيل فريق وطني من المخططين والخبراء والكفاءات الفلسطينية من داخل فلسطين ومن مختلف ساحات اللجوء والاغتراب لبناء رؤية تنموية مستدامة ولهذا تبدو الحاجة ملحة للدعوة إلى مؤتمر علمي ومهني وطني واسع يضم المخططين والاقتصاديين والمهندسين والمستثمرين والشركات الفلسطينية حول العالم، ليكون المؤتمر الأول لإعادة إعمار قطاع غزة بعقول وايدى فلسطينية وفق رؤية تنموية شاملة قائمة على الحوكمة والاستدامة والنمذجة التنموية الحديثة. فالأمم التي أصبحت نماذج عالمية في التنمية لم تغدو دولاً صاعدة بالمصادفة، وإنما بذلت جهداً مضنياً بالاعتماد على التخطيط المستدام، والإدارة الرشيدة، المبني علي الحوكمة والاستثمار في العقول الوطنية (رأس المال البشري) وتحويل الإرادة الشعبية إلى قوة إنتاج تدفع عجلة البناء الشامل للامام. إن التحضير الحقيقي لمرحلة ما بعد الحرب يتطلب منا الانتقال فوراً من عقلية إدارة الأزمة إلى عقلية صناعة المستقبل وضمان حقوق التخطيط لمصلحة الاجيال القادمة وهذا لا يتحقق إلا عبر بناء منظومة متكاملة تقوم على التخطيط المستدام المرتبط بأهداف التنمية الأممية، والمحاط بجملة من القواعد الأساسية وفي مقدمتها تعزيز الشفافية، وتبادل المعلومات وحق الحصول عليها والمشاركة المجتمعية، ومحاربة الفساد الإداري والمالي والسياسي والفكري وتمكين المجتمعات المحلية من الرقابة والمساءلة. ولا يمكن لأي مشروع نهضوي أن ينجح دون وجود قيادة اخلاقية تؤمن بأن التنمية المستدامة هي حق اجتماعي قبل ان تكون امتيازاً سياسياً وأن الانسان يجب أن يكون في رأس الأولويات الإنمائية(القيادة التنموية) تعمل علي اعادة بناء منظومة القيم واعادة تشكيل البنية الاجتماعية باعتبارها شريك في الاستنهاض وجدار حمايته الاول. فإعادة الإعمار الحقيقية يبدأ حين نستعيد كرامة الإنسان الفلسطيني وضمان دوره الفاعل يتحول فيها المواطن من مجرد متلق للقرارات إلى شريك فعلي (التشاركية المجتمعية) إن التشاركية ليست خطوة او اجراء اداري شكلي بل تعتبر أحد أهم مرتكزات الحوكمة الحديثة التي تجعل من المجتمع بكل تشكيلاته شريكاً جوهرياً في صناعة السياسات والقرارات والتخطيط و تقدير الاحتياجات والاولويات والتنفيذ والرقابة، بحيث لا تبقى السلطة أو القرار محصوراً في جهة واحدة أو نخبة ضيقة. وتعتبر الخطط الأكثر نجاحاً هي تلك التي تنبع من القاعدة المجتمعية إلى مراكز صنع القرار، لا العكس (تخطيط من أسفل الي أعلي) وهذا يعني التخلص التدريجي من المركزية المغلقة والانتقال نحو نموذج تشاركي يضم القطاع العام والقطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني (ثالوث النظام السياسي) والفاعلين الاجتماعيين والكفاءات العلمية والمهنية ففي حالة قطاع غزة فإن التشاركية في الحوكمة تعني أن إعادة الإعمار والتنمية لا تُدار عبر القرارات الحكومية أو السياسية فقط بل عبر ترسيخ الشراكة الوطنية الواسعة والجامعة واشراك المخططين والخبراء والجامعات ومراكز الدراسات والبلديات والنقابات،والمستثمرين والشركات الفلسطينية ومؤسسات المجتمع المدني، والكفاءات الفلسطينية في الشتات في خطة الاستنهاض المستدام. إن قطاع غزة اليوم بحاجة إلى أن يتحول إلى ورشة عمل وطنية كبرى لاستشراف المستقبل و إلى عقل جمعي يخطط قبل أن يبني، ويحدد الأولويات قبل اقرار وتوزيع المشاريع نحتاج الي تخطيط يؤسس لاقتصاد إنتاجي مستدام بدلاً من اقتصاد الإغاثة المؤقتة والهش. فالتحدي الحقيقي لا يكمن فقط في صياغة الخطط، بل في القدرة على كيفية تحويلها إلى مشروع وطني تشاركي واسع يضمن استدامة التنمية وعدالة توزيع الفرص والموارد وكيفية استغلال الموارد القادمة (المنح والتبرعات والمساعدات)وتحويلها لفرصة تنموية نادرة تشجع الاستثمار واستقطاب العقول والشركات والمستثمرين بعد ان يصبح الاستقرار هو المدخل لهذا المسارات.. بيت القصيد قطاع غزة اليوم يحتاج إلى إعادة بناء الفكرة الوطنية التنموية ذاتها (النهج التنموي)واعادة بناء فكرة الدولة القادرة والمؤسسة الرشيدة (الحوكمة) والإنسان الشريك (الانسان اولاً) والتخطيط الذي يرى المستقبل قبل أن يصل إليه مع وجود قيادة اخلاقية تنموية قادرة ومؤمنة بالنهج التنموي التشاركي الذي يعبد الطريق نحو الاستعداد والتحضير قبل الانطلاق نحو تحقيق رؤية خطط التنمية المستدامة.
روبيو عن محادثات إيران: هناك بعض التقدم.. لكن "الهدف لم يتحقق بعد"
القيادة المركزية الأميركية تعلن إعادة توجيه 97 سفينة منذ بدء الحصار على موانئ إيران
اليوم 85..حرب إيران: حراك باكستاني وهدوء إعلامي وتوتر إسرائيلي
الجيش اللبناني يؤكد ولاء عسكرييه لمؤسستهم بعد عقوبات أميركية على ضابط
عواصم أوروبية تطالب إسرائيل بوقف الاستيطان.. وهولندا تحظر بضائع المستوطنات رسمياً
💬 التعليقات (0)