إذا ما أتيحت لنا فرصة العودة بالزمن إلى الوراء بمقدار 13.7 مليار عام تقريبا، إلى تلك اللحظة التي يُعتقد أنها شهدت الانفجار العظيم وولادة الكون، سنكتشف أن الوجود كله كان قابعا في نقطة شديدة الحرارة والكثافة، ومتناهية الصغر لدرجة أنها لا تُرى بالعين المجردة.
خلال أول جزء من الثانية بعد الانفجار العظيم، تضخم الكون من هذه النقطة الصغيرة إلى حجم ثمرة ليمون وفي غضون ثانية، بات أكبر من نظامنا الشمسي وخلال فترة قصيرة، صار أكبر من مجرة درب التبانة، ثم استمر في التمدد حتى وصل إلى شكله الحالي. ومنذ أن ترسخ نموذج الانفجار العظيم في علم الكونيات، اعتقد كثير من العلماء أن السؤال عما حدث قبله هو سؤال عبثي لا معنى له، باعتبار أن الزمن لم يكن موجودا قبل هذه اللحظة، وبالتالي لم يكن هناك ما يسبقها. وإذا انعدم وجود مكان يسمح بأي حركة، فلن يحدث أي تغيير، وإذا انعدم التغيير، فلن توجد أحداث ولا تاريخ.
لكن يبدو أن الانفجار العظيم لم يكن البداية، حيث افترض العلماء في السنوات الأخيرة أنه كان مجرد فصل في قصة أقدم بكثير. قصة لربما تشمل كونا سابقا انهار أو مرحلة غامضة سبقت ولادة الزمن كما نعرفه. وبات السؤال الذي لطالما اعتُبرت الإجابة عليه ضربا من المستحيل، مسألة علمية قابلة للنقاش حاليا. هذا ما تشرحه هذه المادة المترجمة من موقع "نيوساينتست".
تخيل لو استطعت – بطريقة ما – تصوير تاريخ الكون بأسره ثم شرعت في عرض هذا الفيلم معكوسا، أي من النهاية إلى البداية. سيتبدى أمامك الكون في صورته الحالية، شبكة فسيحة وآسرة من المجرات والسدم. لكن ما إن يرتد الشريط إلى الوراء، حتى يتقلص كل شيء تدريجيا ويؤول في النهاية إلى ومضة ضوئية متلاشية يكاد يطويها الفناء إلى الأبد، وهي النقطة التي يعرفها الجميع بالانفجار العظيم.
عند هذه النقطة، يُسدِل الظلام ستاره على الشاشة ويركن كل شيء إلى الصمت. وإن صادف وتساءلت عما سبق تلك اللحظة، سيثير سؤالك هذا سخرية العلماء والفلاسفة على حد سواء. فالموضوع أشبه بالتساؤل عما يقع شمال القطب الشمالي، سؤال عبثي بالطبع، وعصي على الإجابة.
لكن السؤال هنا: هل كان الانفجار العظيم هو بداية كل شيء فعلا؟ أم أن الحقيقة مختلفة عما نظن؟ خلال الأعوام القليلة الماضية، اهتدى عدد من الفيزيائيين إلى وسيلة لإزاحة هذا الستار، وإلقاء نظرة خاطفة على ما قد يقبع وراءه. حتى وإن عجزنا عن حل المعادلات التي تصف هذه الحقبة الزمنية بدقة، يرى العلماء أن بوسعهم النفاذ إلى تلك المنطقة الغامضة ولو بصورة تقريبية. يعبر يوجين ليم من كلية كينغز في لندن، وأحد أبرز المهتمين بهذه المسألة، عن الأمر قائلا: "بدأت النسبية العددية (Numerical Relativity) في تقديم رؤى متعمقة حول تساؤلات لطالما استعصت على إدراكنا البشري".
💬 التعليقات (0)