يدخل سكان قطاع غزة موسم عيد الأضحى هذا العام في ظل أوضاع اقتصادية وإنسانية توصف بأنها الأكثر كارثية في تاريخ القطاع، مع استمرار الحرب وما خلفته من دمار واسع طال البشر والحجر والاقتصاد على حد سواء وسط عجز آلاف الأسر عن توفير الحد الأدنى من احتياجاتها الأساسية من الغذاء والماء والملابس. ويأتي العيد الثالث على التوالي دون شعائر الأضاحي، بعد منع إسرائيل إدخال المواشي وتدهور القدرة الشرائية للمواطنين بصورة غير مسبوقة، الأمر الذي أفقد العيد مظاهره الاجتماعية والدينية المعتادة، وحوّل المناسبة التي كانت تُدخل البهجة إلى موسم إضافي من القلق والمعاناة اليومية. وفي الوقت الذي كانت فيه مواسم الأعياد تمثل فرصة اقتصادية لتحريك الأسواق وتحسين دخل آلاف العمال والبائعين، باتت اليوم عبئا ثقيلا على الأسر المنهكة. ويأتي ذلك في ظل الانهيار شبه الكامل للقطاعات الاقتصادية وارتفاع معدلات الفقر والبطالة إلى مستويات قياسية، ما دفع غالبية السكان للاعتماد على المساعدات الإنسانية والتكيات التي لم تعد قادرة على تلبية الاحتياجات المتزايدة.
معاناة يومية من جهته، قال المواطن محمد جنيد، وهو أحد سكان شمال قطاع غزة، إن الأسواق تشهد ارتفاعا جنونيا في الأسعار، في وقت بات فيه المواطن عاجزا عن شراء أبسط الحاجيات الأساسية، مضيفا أن الغلاء أصبح لا يُطاق، خاصة مع غياب أي مصادر دخل أو فرص عمل تعين الأسر على مواجهة الظروف الحالية. وأوضح جنيد أن العديد من العائلات باتت تعتمد بشكل شبه كامل على التكيات والمساعدات الغذائية، إلا أن تلك المساعدات لم تعد تصل، ما يترك آلاف الأسر أمام معاناة مستمرة في توفير الطعام، مشيرا إلى أن الأولوية اليوم لم تعد للعيد أو مظاهره وإنما للبقاء وتأمين لقمة العيش. وأضاف: "كنت أعمل قبل الحرب بائعا في سوق مدينة جباليا، الذي دمره جيش الاحتلال بشكل كامل حرب الإبادة، وكان موسم الأعياد يمثل بالنسبة لي فرصة لتحقيق دخل جيد وانتعاش في حركة البيع، أما اليوم فأصبح العيد موسما لإثقال كاهل الأسر، في ظل العجز عن توفير احتياجات الأطفال من الطعام والملابس، قائلا: "أطفالي يحتاجون للطعام قبل أي شيء، ولم نعد قادرين على تلبية أبسط متطلباتهم". في حين، قالت المواطنة سالي عبد الله، التي تقيم داخل خيمة في منطقة الزوايدة وسط قطاع غزة، إن الحياة أصبحت أكثر قسوة بعد استشهاد زوجها، واضطرارها لإعالة أربعة أفراد بمفردها، في ظل انعدام الكفالات الإنسانية وغياب أي مصدر دخل ثابت يساعدها على توفير الاحتياجات الأساسية لعائلتها. وأضافت عبد الله: "الظروف المعيشية داخل الخيام تزداد سوءا يوما بعد يوم، خاصة مع نقص المياه والطعام وارتفاع أسعار السلع، العائلات النازحة لم تعد تفكر في الأعياد أو شراء الملابس أو أي مظاهر للفرح، بسبب انشغالها الدائم بكيفية تأمين مقومات الحياة اليومية". وتابعت: "كل ما نفكر فيه الآن هو كيف نحصل على الماء والطعام لأطفالنا، أما العيد فلم يعد يحمل أي معنى كما كان في السابق"، مشيرة إلى أن استمرار الأزمة الاقتصادية والإنسانية يزيد من معاناة النساء والأطفال الذين فقدوا المعيل ومصادر الأمان والاستقرار.
مؤشرات كارثية واقتصاديا، تعكس المؤشرات الحالية حجم الانهيار غير المسبوق الذي يعيشه قطاع غزة، إذ لم يشهد القطاع عبر تاريخه الحديث أزمة بهذا العمق والشمول، بعدما تحولت الحرب من أزمة إنسانية مؤقتة إلى عملية تدمير ممنهج للبنية الاقتصادية والاجتماعية، أدت فعليا إلى إلغاء النشاط الاقتصادي بمختلف أشكاله. وتشير التقديرات الاقتصادية إلى أن الناتج المحلي الإجمالي للقطاع انخفض بنسبة 84% مقارنة بعام 2023، فيما تراجع مجددا خلال عام 2025 بنسبة إضافية بلغت 8.7%، رغم أن التوقعات كانت تشير إلى إمكانية بدء مرحلة تعافٍ اقتصادي تدريجي، وهو ما يعكس استمرار حالة الانهيار وانعدام أي بيئة حقيقية للإنتاج أو الاستثمار. كما بلغت معدلات البطالة نحو 80%، بينما تجاوزت نسبة الفقر 95%، مع تراجع المشاركة في القوى العاملة إلى 38% فقط، ما يعني أن غالبية السكان باتوا خارج دائرة النشاط الاقتصادي، ويعيشون ضمن اقتصاد هش قائم على المساعدات الإنسانية ومحاولات البقاء بدلا من الإنتاج والتنمية. وشهدت القطاعات الاقتصادية الرئيسية انهيارا شبه كامل، حيث تراجع قطاع الإنشاءات بنسبة 99% والصناعة بنسبة 94% والزراعة بنسبة 92% فيما انخفض قطاع الخدمات بنسبة 82%، الأمر الذي يؤكد انتقال المجتمع في غزة من اقتصاد التنمية إلى اقتصاد البقاء، خاصة مع استمرار القيود على دخول البضائع والمساعدات، إذ لم يتجاوز معدل دخول الشاحنات 157 شاحنة يوميا، أي أقل من 30% من الاحتياج الفعلي للسكان.
💬 التعليقات (0)