لم تعد سفن"أسطول الحرية والصمود - فلوتيلا " وموجات التضامن القادمة من شعوب العالم نحو غزة، او حتى في بلادهم من مظاهرات الاحتجاج والتضامن مجرد مبادرات رمزية عابرة، بل أصبحت تعبيراً عميقاً عن يقظة إنسانية عالمية تتجاوز الحدود والقوميات والانتماءات السياسية والدينية، وباتت فلسطين مُكونا من فكر أممي أصبح يتصدر برامج الأحزاب التقدمية واليسارية حول العالم اليوم.
فهؤلاء الذين جاؤوا من بلدان مختلفة، حاملين المساعدات والضمير الإنساني معاً، أو أولئك الذين يواجهون مظاهر عنف من أجهزة قمع في أوروبا والولايات المتحدة لمجرد تضامنهم مع شعبنا وفي معاداة الابرتهايد والإبادة الجماعية والاحتلال كجريمة، لم تدفعهم مصالح خاصة أو حسابات ضيقة، بل دفعتهم قناعة أخلاقية ومبادئ فكرية سياسية بأن الوقوف إلى جانب شعب يتعرض للاحتلال والحصار والتجويع والقتل هو واجب إنساني قبل أي شيء آخر.
ومن هنا، لم يكن اعتراض الاحتلال الإسرائيلي لتلك السفن في عرض البحر وفي اكثر من مرة، واعتقال المتضامنين والتنكيل بهم ونشر مشاهد إذلالهم بتعليمات الفاشي بن غفير وحكومته، مجرد إجراء أمني كما يدّعون، بل محاولة لمعاقبة فكرة التضامن نفسها، ولتوجيه رسالة ترهيب لكل من يفكر بأن يكون جزءاً من هذا الصوت الإنساني العالمي المتصاعد دفاعاً عن فلسطين، وهو ما يتفق مع القرار الأمريكي أمس الأول باعتبار الجهة القائمة على اسطول الحرية والصمود منظمة إرهابية.
لكن المفارقة أن هذه المشاهد كشفت شيئاً أعمق بكثير مما أراده الاحتلال، فقد أظهرت أن العالم لا ينقسم فقط بين حكومات وتحالفات ومصالح، بل أيضاً بين شعوب حية ما زالت تؤمن بالعدالة والحرية وكرامة الإنسان، وبين منظومات استعمارية وعنصرية تسعى إلى تكريس الهيمنة بقوة الحروب والحصار والكراهية والتطهير العرقي، مما قد يفسر من جهة أخرى اتساع تاثير أجنحة تقدمية في أحزاب محافظة كالحزب الديمقراطي بالولايات المتحدة وبعض احزاب الوسط الأوروبية التي باتت تطالب باعادة النظر في مستوى العلاقات مع اسرائيل وتدعو الى اسقاط نظام الفصل العنصري فيها والى إنهاء الاحتلال، بل ان الدعم المطلق لإسرائيل لم يتبقى محل إجماع حتى في اوساط اليمين الامريكي وحتى الأوروبي اليوم.
ورغم وجود من يشكك بجدوى هذه المبادرات لأنها لا تكسر الحصار مباشرة أو لا تغيّر موازين القوى فوراً، إلا أن قيمة التضامن بين الشعوب لا تُقاس فقط بالنتائج المادية الآنية. فالتاريخ يعلمنا أن نضالات التحرر الكبرى لم تنتصر بالسلاح وحده، بل أيضاً بتراكم الوعي العالمي، وبقدرة الشعوب الحرة على عزل أنظمة الاستعمار والعنصرية أخلاقياً وسياسياً وإنسانياً، كما حصل مع جنوب افريقيا وفي حرب فيتنام وغيرها حول العالم.
وفي المقابل، قد يكون من الضروري أيضاً أن نمارس شيئاً من النقد الذاتي الهادئ تجاه أنفسنا نحن كفلسطينيين، فهؤلاء المتضامنون الذين يأتون من أقاصي العالم، ويخاطرون بحريتهم وأمنهم ومستقبلهم من أجل فلسطين، يستحقون أكثر من مجرد الترحيب العاطفي أو التغطية الإعلامية المؤقتة إن وجدت. إنهم يحتاجون إلى احتضان سياسي ومعنوي وإنساني، وإلى بناء علاقات مستدامة معهم ومع الحركات الشعبية والأحزاب التقدمية التي يمثلونها، بوصفهم شركاء حقيقيين في معركة الحرية والعدالة، لا مجرد متضامنين عابرين.
💬 التعليقات (0)