في ذروة حرب الإبادة على غزة وما رافقها من اتهامات غير مسبوقة لقادة الاحتلال بارتكاب جرائم حرب وإبادة، جاءت حادثة اعتراض أسطول الصمود، والذي سبقه عدة آساطيل، اعتقال الناشطين، ونشر صور إهانتهم، لتحتل مساحة من الاهتمام الإعلامي والسياسي عالميا، وبالرغم من خطورة ما جرى بحد ذاته، فان ما يستحق التوقف عنده ليس فقط سلوك قادة الاحتلال، بل الطريقة التي يعاد عبرها تشكيل وتشتيت انتباه العالم، وتوجيهه بعيدا عن جوهر الكارثة في غزة.
لأشهر وسنوات تصاعدت التحذيرات الدولية من المجاعة والانهيار الانساني في غزة، تقارير أممية وحقوقية تحدثت عن مستويات غير مسبوقة من التدمير والابادة، لكن اللافت ان جزءا كبيرا من النقاش الغربي لم يتركز حول أصل المأساة، بل حول أحداث جزئية قابلة للاستهلاك السياسي والإعلامي السريع، أزمات دبلوماسية محدودة، صور اعتقال ناشطين، او تصريحات مثيرة لوزراء اليمين المتطرف، وهنا تحديدا تكمن المشكلة.
الاحتلال يدرك جيدا طبيعة العقلية السياسية والإعلامية الغربية، وان المشهد الدولي تحكمه الصورة السريعة والحدث القابل للتداول والجدل اللحظي، اكثر من القراءة العميقة لما يحدث، لذلك يصبح من الاسهل على الحكومات الغربية ادانة صورة مهينة او سلوك فظ، بدل مواجهة الاسئلة الاصعب، المرتبطة بالابادة والحصار، والتواطؤ السياسي والعسكري والاقتصادي، وبهذا المعنى، تتحول بعض الأزمات الى مساحة تنفيس، فتسمح بإظهار الغضب الغربي، لكن دون المساس بجوهر السياسات القائمة.
انا لا أدعي وجود تنسيق صفقة، لكنه يكشف عن تقاطع مريح للمصالح، فالاحتلال يحتاج الى ادارة الغضب الدولي، لا انهاء أسبابه، وحكومات الغرب تحتاج للحفاظ على دعمها للاحتلال، ولكن دون الظهور بمظهر المتواطئ امام شعوبها، لذلك تصبح القضايا "الصغيرة نسبيا" اداة مثالية لاعادة توجيه النقاش بعيدا، نحو ملفات يمكن احتواؤها وحلها سريعا، إعلامية كانت او دبلوماسية.
في هذا السياق، يمكن فهم التناقض الظاهري في بنية الاحتلال، بين تيار يريد استعراض القوة والاهانة علنا كابن غفير، وتيار يخشى الكلفة السياسية والإعلامية للصورة، اي ان الصراع ليس حول جوهر العنف، بل كيف يمكن ممارسته بشكل "مقبول"، وبالتالي ادارته وتسويقه للعالم تحت ذرائع متعددة، بعضهم يرون ان الردع يتطلب اذلال الخصوم والمتضامنين معهم علنا، بينما تدرك المؤسسة الامنية والسياسية ان الصور المنفلتة قد تتحول الى عبء قانوني وأخلاقي، يسرع من تآكل صورة الاحتلال عالميا.
وبالتالي، فان استمرار هذا النمط من التغطية قد يخلق - مع الوقت - نوعا من التطبيع غير المباشر مع الجرائم الاكبر، فحين يتحول النقاش العالمي من مساءلة الابادة والحصار الى متابعة تفاصيل ومشاهد مثيرة للاستهلاك الإعلامي، تصبح الكارثة نفسها مجرد خلفية ثابتة للمشهد لا مركزه، وهنا "ينجح" الاحتلال في نقل العالم من مرحلة الصدمة الاخلاقية من هول الجريمة، الى مرحلة التعايش التدريجي مع استمرارها، فتتحول الابادة الى واقع "معتاد" يخضع لادارة إعلامية وسياسية اكثر منه للمحاسبة الفعلية.
💬 التعليقات (0)