يرتبط الوجود الإنساني بفعل التعلّم بوصفه المسار الذي تتشكل عبره علاقة الإنسان بالعالم. غير أن النموذج التعليمي الحديث اختزل هذه العملية داخل نموذج الشهادة، ونظّم المعرفة ضمن مسارات مغلقة تنتهي عند حدود التأهيل الأكاديمي والاندماج المهني، بوصفهما التعبير الأكثر شيوعاً عن الكفاءة والجاهزية الاجتماعية.
ومع التحولات الاقتصادية والتكنولوجية المتسارعة، وما رافقها من تغير مستمر في أنماط العمل وتشكّل المعرفة، بدأت الفلسفة التعليمية المعاصرة بمراجعة فكرة الاكتمال المعرفي، فأصبحت القدرة على التعلم وإعادة التكوين جزءاً من شروط التكيف مع عالم سريع التحول في المعرفة والعمل، في عالم تتراجع فيه مركزية الشهادة الثابتة لصالح المهارة المتجددة والتعلم المستمر.
أولاً: التحول في فلسفة التعليم– من الشهادة إلى التعلم المستمر
لم تعد الشهادة الأكاديمية تمثل المحطة النهائية للرحلة التعليمية أو المرجعية الوحيدة لتحديد الكفاءة المهنية؛ إذ يشهد النظام التعليمي المعاصر تحوّلاً تدريجياً من النموذج الخطي التقليدي القائم على الفصل بين التعليم والعمل، إلى نموذج أكثر تركيباً ومرونة يقوم على التداخل المستمر بين بناء المعرفة والخبرة المهنية وإعادة التعلم، بما يعيد تشكيل العلاقة بين التعلم بوصفه مساراً ممتداً والحياة المهنية بوصفها فضاءً لإنتاج المعرفة وتطويرها.
ضمن هذا التحول، أصبح التخرج نقطة انتقال داخل مسار معرفي مفتوح، يتطلب تحديثاً مستمراً للمهارات والمعارف. وقد انعكس ذلك في السياسات التعليمية الحديثة التي تسعى إلى بناء مجتمعات تعلم مستمرة قادرة على التكيف مع التحولات الاقتصادية والتكنولوجية المتسارعة. وفي هذا السياق، تمثل سياسة "استحقاق التعلم مدى الحياة" في المملكة المتحدة نموذجاً يعكس هذا التوجه؛ إذ تتيح مسارات تمويل مرنة تمكّن الأفراد من العودة إلى التعليم في مراحل مختلفة من حياتهم المهنية، بما يسمح بتطوير المهارات وتنمية مؤهلات جديدة وفق متطلبات سوق العمل والتحولات المتسارعة في الاقتصاد المعرفي.
ثانياً: صعود المهارة بوصفها معياراً جديداً للقيمة
💬 التعليقات (0)