منذ السبعينيات ظلت الثقافة المغربية بمفهومها الأنثروبولوجي المركب، عبارة عن مشروع مجتمعي يحرر الواقع من الشوائب الأيديولوجية التي ارتبطت به. فلا غرابة أن تطالعنا الثقافة باعتبارها مشروعا رمزيا تبناه عدد من المفكرين والأدباء والكتاب للتعبير عن مواقفهم وآرائهم تجاه جملة من القضايا السياسية والإشكالات الفكرية التي كانت تطبع مغرب السبعينيات.
إذ كانت الثقافة في ذلك الإبان، لا تخرج عن إطار المؤسسة الحزبية، فهي ما يمنحها الشرعية "العلمية" ومن ثم الذيوع والانتشار داخل الجسد الثقافي المغربي. فالقارئ لمجمل المؤلفات التي صدرت في ذلك الإبان، سيجد أن المؤسسات الرسمية، لم تكن تتعامل مع الثقافة، إلا بوصفها امتدادا للمؤسسات الحزبية. فكان كل ما يكتب لا يخرج عن الإطار الأيديولوجي الذي رسمته الأحزاب اليسارية التي جعلت الثقافة في مقدمة برنامجها السياسي.
لقد تبنى اليسار الثقافة وجعل منها آلية ضرورية لتحديث المجتمع بالمقارنة مع الأحزاب اليمينية التي ظلت تراهن على نوع من الثقافة التقليدية الموروثة عن مرحلة الاستقلال. في حين برز الوعي بثقافة الحداثة، انطلاقا من تصاعد المد اليساري في أوساط المجتمع وبروز مجلات طليعية لعبت دورا كبيرا في تأسيس ثقافة حداثية ترفض التقليد وتجابه النقل والتدوير.
وشكلت مجلات من قبيل "أنفاس" (عبد اللطيف اللعبي) و"الثقافة الجديدة" (محمد بنيس) نماذج ثقافية مضيئة نقلت الثقافة المغربية المعاصرة، صوب عوالم لم تكن تفكر فيها. إذ ساهمت هذه المجلات في احتضان أكبر النصوص الفلسفية والأدبية والنقدية لكبار المفكرين أمثال جاك دريدا وجوليا كريستيفا ورولان بارت وموريس بلانشو، فكانت بمثابة فتح علمي داخل ثقافة مغربية تتأرجح بين الحداثة والتقليد.
"شكلت مجلات السبعينيات فتحا علميا نقل الثقافة المغربية من أحضان الكلاسيكية نحو رحاب الحداثة، وأفرزت نخبة نقدية تخترق بأسئلتها كل الحدود"
وساهمت هذه المساحات الثقافية في بروز نخبة من الكتاب والنقاد الذين استطاعوا عبر هذه المجلات بلورة أفق نقدي مغاير يخترق في تشكلاته المعرفية كل الحدود والسياجات وتجترح لنفسها آفاقا معرفية بالموازاة مع التغيرات التي باتت تطبع النص الأدبي في تلك الفترة.
💬 التعليقات (0)