في بلاد الواق واق تبدأ الكوارث عادة من حادثة صغيرة يمرّ عليها الناس باعتبارها تفصيلًا عابرًا أو موقفًا يصلح للحديث في المجالس، قبل أن يكتشفوا بعد سنوات أنهم لم يكونوا يشاهدون حادثة بل كانوا يصفقون لبداية انهيار كامل يتشكل بهدوء شديد، فيسير الناس في طرقهم اليومية كأن شيئًا لا يحدث بينما تتراكم التفاصيل الصغيرة فوق بعضها حتى تصبح نظامًا كاملًا من الاعتياد على الألم.
يُحكى أن موظفًا بسيطًا في إحدى دوائر حكومة الواق واق تسلّم نصف راتبه قبل العيد، نصف راتب فقط لأن البلاد هناك اعتادت أن تشرح لموظفيها كل شهر أن الظروف استثنائية وأن المرحلة صعبة وأن الصبر واجب وطني، بينما كانت أموال الواق واق تتآكل بين الاقتطاع والاحتجاز وسوء الإدارة، ويبقى الوطن نفسه موزعًا بين الحواجز والبيانات والخطب الطويلة التي لا تشبع طفلًا ولا تشتري فرحًا مؤجلًا أو كرامة مؤجلة.
وكان أهل الواق واق قد اعتادوا في كل شهر على سماع الرواية ذاتها، أن يعقوب المقاصّي وزير مالية دولة ما وراء الجدار يعلن مجددًا احتجاز أموال الواق واق واقتطاع جزء جديد من مستحقاتها بحجة الأمن تارة وبحجة العقوبات تارة أخرى، حتى صار اسم الرجل يتكرر في نشرات الأخبار كما تتكرر أسماء الألم حين يصبح الألم نظامًا يوميًا لا يثير الدهشة بل يثير نوعًا من التعود البارد على الفقد.
لكن مع اندلاع ما سمّته دولة ما وراء الجدار حرب السيوف الحديدية على قطعة عزيزة من أراضي الواق واق، لم يعد يعقوب المقاصّي يكتفي باقتطاع جزء من أموال الواق واق بل قرر احتجازها كاملة، حتى إن المقاصة نفسها صارت جزءًا من أدوات الحرب، وكذلك تحوّل جوع الناس إلى سلاح فتاك، فربما يصحو الموظفون على واقع لم يعد فيه نصف راتب ولا ربع راتب بل غياب كامل للراتب، وكأن الحياة نفسها دخلت مرحلة تعليق مؤقت طويل لا يعرف أحد متى ينتهي.
لم يكن الناس ينكرون أن يعقوب المقاصّي يسرقهم فعلًا، فالأمر كان يحدث على العلن وبشكل رسمي وتحت عناوين سياسية واقتصادية وأمنية معقدة، بينما كانت دولة ما وراء الجدار تتعامل مع لقمة الفقير في الواق واق باعتبارها ورقة ضغط إضافية، لكن المشكلة أن بعض الوصوليين في الواق واق اكتشفوا مع الوقت أن المصيبة الخارجية تصلح دائمًا كأفضل شماعة لتعليق الأخطاء الداخلية، فيختلط الأمر على الناس فلا يعودون يعرفون تمامًا من الذي يمد يده إلى جيوبهم، هل هو الخارج وحده أم أولئك الذين تعلموا كيف يعيشون على إدارة الأزمات وإعادة تدويرها.
وفي مرحلة مفصلية، ومع اتساع الحديث عن الصراع مع ما وراء الجدار واشتداد الحاجة إلى “إدارة الصورة”، جرى تأسيس كيان جديد حمل اسمًا مطمئنًا: “مجلس السلام”. بدا في ظاهره محاولة لاحتواء الفوضى وإطفاء التوتر، لكنه في جوهره كان أول منصة رسمية لصناعة المستقبل.
💬 التعليقات (0)