دخلت المؤتمر الثامن لحركة فتح حاملا على كتفيّ سنواتٍ طويلة من العمل الطلابي والنقابي والمجتمعي، وبعض ما تبقى من ذاكرة السجون والميدان والجامعة، وظننت، بسذاجة مفرطة، أن التاريخ التنظيمي ما زال عملة قابلة للتداول داخل حركة ولدت أصلا من تعب الناس وأحلامهم وتضحياتهم، وما زالت تحفظ شيئا من الاحترام لأولئك الذين صنعوا بدايات النضال الوطني والأكاديمي والاجتماعي، وخاصة في الأرض المحتلة، ساحةِ المعركة الرئيسة.
واكتشفت سريعا أن السوق تغير، وأن البضاعة المطلوبة اليوم مختلفة تماما. فالأزمنة التي كانت تُفتح فيها الأبواب أمام أصحاب التجارب والهموم الثقيلة تراجعت كثيرا أمام خرائط النفوذ والتحالفات والاصطفافات الدقيقة. شعرت كأنني دخلت معرضا حديثا للسيارات بحصانٍ عربي أصيل؛ جميل ومثير للإعجاب، لكنه لم يعد مناسبا لسرعة هذا الزمان ومعاييره الجديدة.
ووجدت أن المؤتمر ليس مؤتمرًا واحداً، بل عدة مؤتمرات متداخلة: مؤتمر للرئاسة، ومؤتمر للأقاليم، ومؤتمر للمتقاعدين، ومؤتمر للشبيبة، ومؤتمر للمرأة، ومؤتمر للأسرى، ومؤتمر للوزراء والسفراء والوكلاء والمدراء والمحافظين، ومؤتمر لرجال الأعمال. وعرفتُ أنني بحاجة إلى “فيزا تنظيمية” للدخول إلى معظمها.
اجيال متعاقبة لا تعرف بعضها بعضًا، وخبرات مختلفة، وعوالم متعددة منغلقة على ذاتها ومصالحها وأولوياتها. تحالفات جاهزة، وكانتونات متجانسة، وجغرافيا متشابكة، واصطفافات منظمة، وروافع سيادية متوفرة.
أبعدت هذه الأفكار المجنونة والسلبية، وقلت في نفسي: هذا مؤتمر سيبحث عن الجذور والمؤسسين وأصحاب التجارب والهمم والمناضلين، وسيناقش القضايا الكبرى التي تواجه شعبنا الصامد: “النضال الجماهيري، المشروع الوطني، الاستيطان، الحصار المالي، الفقر، البطالة، نهاية مشروع السلام، علاقة فتح بالسلطة، رواتب الشهداء والجرحى والأسرى، أوضاع قطاع غزة الذي يصارع الموت والجوع والدمار والتهجير والطرد، والضفة الغربية التي تحاصرها المستوطنات والمستوطنون والحواجز والبوابات والطرق الالتفافية، ومعها الموت والخوف والرعب”.
بدت مدينة رام الله كأنها موقع بورصة انتخابية متنقلة: دفاتر، وقوائم، وهمسات، ومصافحات طويلة، وعبارات تتكرر أكثر من النشيد الوطني: “أعطيني صوتك بعطيك صوتي”، و”احمل لي فلان بحملك فلان”، و”من سيفوز من المرشحين؟ وما هي حظوظ فلان وعلان؟”، و”إلى أي مركز قوى وتحالف يقف هذا وذاك؟”. وتطوع العديد من الحضور بتقديم قوائم مقترحة بأسماء الذين سيفوزون في الانتخابات الفتحاوية قبل حدوثها.
💬 التعليقات (0)