لم يكن المؤتمر الثامن لحركة حركة فتح حدثًا تنظيميًا عابرًا في تاريخ الحركة التي قادت المشروع الوطني الفلسطيني لعقود، بل بدا – وفق مراقبين وقيادات فتحاوية تاريخية – لحظة كاشفة لحجم التحولات التي أصابت بنية الحركة وأفقدتها الكثير من صورتها كحركة تحرر وطني. فالمؤتمر الذي انعقد وسط حرب إبادة يعيشها الفلسطينيون في قطاع غزة، جاء في توقيت سياسي وتنظيمي بالغ الحساسية، بينما كانت القاعدة الفتحاوية تنتظر مراجعة شاملة لمسار الحركة والسلطة، وإجابات حقيقية عن أسئلة الفشل السياسي والانقسام وتراجع المشروع الوطني. لكن ما حدث – بحسب منتقديه – كان العكس تمامًا. في قلب هذه العاصفة، عاد اسم ناصر القدوة إلى الواجهة، ليس بوصفه عضوًا سابقًا في اللجنة المركزية ووزير خارجية أسبق فحسب، بل كأحد أبرز الأصوات التي اختارت مواجهة قيادة الحركة علنًا. القدوة، الذي سبق أن فُصل من الحركة بعد خلافه مع الرئيس محمود عباس ومحاولته تشكيل تيار إصلاحي قبيل الانتخابات التشريعية الملغاة، عاد مؤخرًا إلى الضفة الغربية بعد سنوات من الابتعاد، لكنه يقول اليوم إنه ندم سريعًا على تلك العودة، بعدما اكتشف – بحسب وصفه – أن "الأمور خربت نهائيًا"، وأن الحركة لم تعد تشبه نفسها. في مقابلات وتصريحات حادة وغير مسبوقة، وصف القدوة المؤتمر الثامن بأنه "ليس مؤتمرًا"، بل "لمة" جرى ترتيبها مسبقًا لخدمة شخص واحد وتعزيز نفوذه داخل الحركة والسلطة. وبدا واضحًا أن الرجل لم يعد يوجه انتقادات عابرة، بل يطرح اتهامًا سياسيًا وتنظيميًا كاملاً لبنية النظام القائم داخل فتح والسلطة الفلسطينية. مؤتمر بلا مفاجآت منذ اللحظة الأولى لانعقاد المؤتمر، كانت الانتقادات تلاحقه بسبب آلية تشكيل العضوية، واتهامات "التلاعب بمعايير التمثيل"، وصولًا إلى طبيعة النتائج التي بدت محسومة سلفًا. ويرى القدوة أن ما جرى لم يكن عملية انتخابية حقيقية، بل إعادة إنتاج للقيادة نفسها ضمن ترتيبات يتحكم بها الرئيس محمود عباس بشكل مباشر.
وبحسب قراءته، فإن المؤتمر لم يناقش مشروعًا سياسيًا جديدًا، ولم يقدّم مراجعة جدية لمسار الحركة خلال السنوات الماضية، بل اقتصر على إعادة توزيع النفوذ داخل الدائرة المقربة من الرئيس، وتعزيز مراكز القوى والمصالح الشخصية. ويقول إن انتخاب عباس بالإجماع دون أي اعتراض يعكس حجم التحول الذي أصاب الحركة، خصوصًا بعد التعديلات التنظيمية التي بدأت – وفق وصفه – منذ المؤتمر السادس، حين جرى تعديل النظام الداخلي بما يسمح بانتخاب رئيس الحركة مباشرة من المؤتمر بدلًا من اللجنة المركزية. أخطر ما طرحه القدوة لم يكن متعلقًا فقط بآليات المؤتمر، بل بطبيعة التحول الذي أصاب الحركة نفسها. فالرجل يرى أن القيادة الحالية "اغتصبت السلطة واغتصبت حركة فتح"، وأن الحركة لم تعد تقود مشروعًا للتحرر الوطني، بل أصبحت مرتبطة ببنية السلطة ومصالحها الأمنية والسياسية. هذا التحول – وفق منتقدين – ترافق مع تراجع واضح في الخطاب السياسي للحركة، وعجزها عن مواكبة التحولات الكبرى التي فرضتها الحرب على غزة، وتصاعد الاستيطان، وانهيار فكرة "عملية السلام" عمليًا. فالشارع الفلسطيني، الذي يشاهد مشاهد الدمار والمجازر في غزة يوميًا، لم يعد يقتنع بخطابات دبلوماسية تقليدية أو وعود إصلاحية مؤجلة، بينما تبدو السلطة الفلسطينية عاجزة عن تقديم مشروع سياسي جامع أو استراتيجية مواجهة واضحة. الفساد بوصفه أزمة بنيوية لم يتوقف نقد القدوة عند الجانب السياسي، بل ذهب إلى الحديث عن "غرق الحركة والسلطة في الفساد"، سواء المالي أو الإداري أو حتى السياسي. وأشار إلى أن مظاهر الثراء والنفوذ داخل الطبقة الحاكمة باتت واضحة، في وقت يعيش فيه الفلسطينيون واحدة من أسوأ مراحلهم الاقتصادية والإنسانية. كما تحدث عن "فساد سياسي" مرتبط بطبيعة العلاقة مع الاحتلال، خاصة في ملف التنسيق الأمني، معتبرًا أن إسرائيل باتت معنية ببقاء السلطة بشكلها الحالي لأنها تضمن – من وجهة نظره – استمرار إدارة الفلسطينيين تحت سقف السيطرة الإسرائيلية، دون أي أفق حقيقي للاستقلال.
وفي هذا السياق، بدا القدوة وكأنه يوجه ضربة مباشرة لفكرة “الإصلاح من الداخل”، معتبرًا أن بنية النظام الحالية غير قابلة للإصلاح، وأن المطلوب هو تغيير سياسي حقيقي يبدأ بإعادة بناء الشرعية الفلسطينية عبر انتخابات عامة ومراجعة شاملة للمسار الوطني. ما بعد عباس؟ ربما كانت أكثر تصريحات القدوة إثارة للقلق تلك المتعلقة بمرحلة ما بعد محمود عباس، فهو يحذر من احتمال انفجار صراع داخلي خطير داخل حركة فتح والسلطة الفلسطينية، خصوصًا في ظل غياب آليات انتقال واضحة للسلطة، ووجود مراكز نفوذ متنافسة داخل المؤسسة السياسية والأمنية. ويرى أن المؤتمر الثامن لم يحل هذه الأزمة، بل عمّقها، لأنه ركّز على تثبيت الولاءات بدل بناء مؤسسات قادرة على إدارة المرحلة المقبلة. كما اعتبر أن صعود شخصيات جديدة إلى اللجنة المركزية لا يعني بالضرورة وجود تغيير حقيقي، بل ربما يعكس – بحسب تعبيره – إعادة تدوير للأزمة بأدوات مختلفة. وسط هذا المشهد القاتم، يرى بعض المراقبين أن انتخاب الأسير مروان البرغوثي بقي الاستثناء الوحيد الذي حمل رمزية مختلفة داخل المؤتمر، باعتباره شخصية لا تزال تحظى بحضور شعبي واسع داخل الشارع الفلسطيني، وترتبط في الوعي العام بفكرة المقاومة والوحدة الوطنية. لكن حتى هذا "البصيص"، كما يصفه كثيرون، لا يبدو كافيًا لإنقاذ حركة تواجه اليوم أسئلة وجودية تتعلق بهويتها ودورها ومستقبلها السياسي. ما كشفه المؤتمر الثامن يتجاوز الخلافات الشخصية داخل فتح، ليطرح سؤالًا أعمق يتعلق بمستقبل النظام السياسي الفلسطيني كله. فالحركة التي قادت المشروع الوطني لعقود تواجه اليوم أزمة شرعية وتمثيل ورؤية، بينما يعيش الفلسطينيون لحظة تاريخية شديدة الخطورة في ظل الحرب والانقسام وتآكل المؤسسات. وفي ظل غياب انتخابات عامة، واستمرار هيمنة القيادة ذاتها منذ سنوات طويلة، تبدو الفجوة آخذة في الاتساع بين الشارع الفلسطيني والمؤسسة الرسمية. أما ناصر القدوة، الذي عاد إلى رام الله ثم غادرها سريعًا محمّلًا بخيبة أمل، فقد اختصر المشهد كله بجملة واحدة حين قال إن ما جرى في المؤتمر "كرّس سلطة عباس ولم يفتح بابًا حقيقيًا للتغيير".
💬 التعليقات (0)