أمد/ لم تعد المفاوضات في الشرق الأوسط تعني البحث عن تسويات حقيقية، بقدر ما أصبحت جزءاً من إدارة الصراع نفسه. المنطقة بأكملها تبدو اليوم وكأنها تتحرّك داخل دائرة مغلقة من الحروب المؤجّلة، والهدنات الهشّة، والضغوط العسكرية، والرسائل الأمنية، بينما تتحول طاولات التفاوض إلى ساحات اشتباك موازية لا تقل خطورة عن الميدان.
ما يجري بين الولايات المتحدة وإيران هو التعبير الأوضح عن هذه الحالة، فالمفاوضات المستمرة منذ أسابيع لم تنتج اختراقاً حقيقياً، لكنها في المقابل لم تتوقف. جولات تفاوض تتكرّر، ووسطاء يتحرّكون، وتسريبات متبادلة، وتصريحات متفائلة سرعان ما تتبعها تهديدات عسكرية أو عقوبات جديدة، بما يعكس أن الهدف لم يعد الوصول إلى اتفاق نهائي، وإنما إدارة عملية «الاستنزاف التفاوضي» بأقصى ما يمكن من الضغط المتبادل.
ولم يكن إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تأجيل ضربة عسكرية كانت مطروحة ضد إيران، بطلب من قادة خليجيين، سوى نموذج إضافي على هذا النمط المرتبك من إدارة الأزمة. فترامب تحدّث مجدّداً عن «مفاوضات جادة» وفرص لتحقيق اتفاق، ولكنه أبقى في الوقت نفسه التهديد العسكري قائماً، مؤكداً أن القوات الأمريكية جاهزة للتحرك «في أي لحظة» إذا لم تصل المفاوضات إلى ما وصفه ب«الاتفاق المقبول». وهي اللغة نفسها التي تتكرّر منذ السابع من أبريل الماضي: تفاؤل تفاوضي يتبعه تصعيد، ثم عودة جديدة إلى طاولة الرسائل والوساطات.
الولايات المتحدة ترفع سقف مطالبها إلى الحد الأقصى، وإيران تتمسّك بخطوطها الحمراء، بينما يتحول الوقت نفسه إلى أداة حرب. كل طرف يحاول إنهاك الآخر نفسياً وسياسياً واقتصادياً، دون الوصول إلى مواجهة شاملة أو سلام شامل. إنها معادلة «لا حرب كاملة ولا سلام كامل»، التي باتت تحكم الإقليم كله.
وفي موازاة ذلك، واصلت واشنطن سياسة «الضغط تحت التفاوض»، عبر فرض عقوبات جديدة على شبكات مالية وسفن مرتبطة بتصدير النفط الإيراني، في رسالة واضحة بأن الإدارة الأمريكية لا تفصل بين المسار الدبلوماسي ومسار الخنق الاقتصادي، بل تستخدم الاثنين معاً ضمن معركة استنزاف طويلة الأمد.
لكن الأزمة لم تعد محصورة في الملف الإيراني وحده. فالمشهد الإقليمي بأكمله أصبح خاضعاً للمنطق نفسه. المفاوضات بين إسرائيل ولبنان، على سبيل المثال، لم تُنهِ حالة التوتر، بل تحولت إلى إطار لإدارة الاشتباك وضبط إيقاعه. فرغم الحديث المتكرّر عن تفاهمات لتمديد وقف الأعمال العدائية، استمرت الضربات الإسرائيلية جنوب لبنان، وبقيت الأسئلة الجوهرية معلقة حول سلاح حزب الله ومستقبل الترتيبات الأمنية على الحدود. هكذا تبدو الهدنة اللبنانية أيضاً: وقف إطلاق نار هشّ لا يوقف الحرب بالكامل، بل يؤجل انفجارها التالي.
💬 التعليقات (0)