في الوقت الذي ينشغل فيه العالم بالقفزات الهائلة للذكاء الاصطناعي، يفتح الدكتور أحمد الريسوني، الرئيس السابق للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، نافذة للنظر في الاتجاه المعاكس. يطرح الريسوني مفهوم 'الغباء الاصطناعي' ليس كعجز تقني، بل كخيار بشري واعي يهدف إلى الهروب من استحقاقات العقل الفطري والذكاء الطبيعي الذي ميز الله به الإنسان.
يرى الريسوني أن الذكاء الاصطناعي الذي يتربع على عرش التكنولوجيا اليوم ليس سوى نتاج للذكاء الإنساني، وهو نعمة كبرى مكنت البشر من الإبداع والبيان. ومع ذلك، يبرز في المقابل نمط من السلوك الفكري يعتمد فيه أصحابه على اصطناع الغباء لتجاوز الحقائق البديهية، وذلك رغبة في التحلل من المسؤوليات التي يفرضها المنطق السليم.
ويصنف المقال الملحدين كأبرز الفئات التي تمارس هذا النوع من الغباء المصطنع، حيث ينكرون وجود الخالق رغم الدلائل الكونية التي لا تحصى. ويشير الريسوني إلى أن هذا الإنكار ليس نتاج قصور عقلي، بل هو قرار بإغلاق مسالك الذكاء الطبيعي لتجنب الاعتراف بالحقائق الإيمانية وما يتبعها من تكاليف والتزامات شرعية.
أما الفئة الثانية فهي 'السوفسطائيون' أو منكروا الحقائق، الذين ذهبوا إلى أبعد من ذلك بالتشكيك في كل الوجود الحسي والعقلي. هؤلاء يوظفون الغباء الاصطناعي لإقناع أنفسهم بأن كل ما يحيط بهم هو أوهام، مما يمنحهم مبرراً لعدم الالتزام بأي معيار أخلاقي أو معرفي ثابت في حياتهم.
ويعرج الريسوني على الفلسفة العبثية التي انتشرت في أوروبا، معتبراً إياها صياغة حديثة للسفسطة اليونانية القديمة. هذه الفلسفة التي تتخذ من 'أسطورة سيزيف' رمزاً لها، ترى الحياة بلا معنى وتدعو أحياناً للانتحار، وهو ما يراه الكاتب قمة تعطيل العقل البشري الذي جُبل على البحث عن الحكمة والغاية.
وفي سياق سياسي واجتماعي، يتناول المقال فئة 'عباد الحكام' الذين يعطلون عقولهم طوعاً لتمجيد السلطة وتبرير أخطائها. هؤلاء يتبنون غباءً مصطنعاً يصور لهم أن الصواب المطلق يدور حيث دار الحاكم، وذلك طمعاً في المناصب والرواتب والأمان المادي، متجاهلين مقتضيات العدل والصدق.
التعليقات (0)