على المسرح الرئيسي لمعرض الدوحة الدولي للكتاب، وقف الداعية المغربي الدكتور سعيد الكَمْلي مساء الثلاثاء أمام جمهور غصّت به القاعة، ليُلقي محاضرة عنوانها "مسببات الحضارة الإسلامية وكيفية تطبيقها في العصر الحديث"، في حضور وزير الثقافة الشيخ عبد الرحمن بن حمد آل ثاني.
كان عنوان المحاضرة، بحدّ ذاته، تحدّياً لاثنين معاً: للنوستالجيا الكسولة التي تكتفي بسرد أمجاد الماضي، وللقطيعة المعرفية التي تقول إن لا شيء في ذلك التراث يصلح لنهار اليوم.
افتُتحت المحاضرة بإعلان واضح من المحاضر: الكلام عن قرطبة والقيروان ودمشق وبغداد والقاهرة وسمرقند لا يهدف إلى اجترار التاريخ، بل إلى فهم الأسباب الحقيقية التي صنعت نهضة الأمة. الحضارة الإسلامية، قال، لم تكن وليدة المصادفة أو التوسع الجغرافي، بل قامت على منظومة متكاملة من القيم والعلم والتنظيم والأخلاق. وفي هذا التمييز بين "اجترار" و"فهم"، تكمن الخصوصية التي يحاول الكَمْلي رسمها لخطابه: ليس مديحاً للماضي بل تشريحاً له.
بنى الكَمْلي محاضرته على ستة أعمدة أو مسبّبات، حاول من خلالها رسم خريطة للسنن التي تتكرر في كل تجربة حضارية ناجحة:
العقيدة وصناعة الوعي: بدأ من الأساس العقدي القائم على فكرة الاستخلاف، حيث يصبح الإنسان مسؤولاً عن إعمار الأرض، لا مجرد ضيف عابر فيها. هنا، العقيدة ليست شعيرة معزولة، بل مصنع لإنسان واع بثقل ما حُمِّل.
العلم والتكامل المعرفي: انتقل إلى دور العلم، مشدداً على أن الحضارة الإسلامية قامت على مبدأ التكامل بين علوم الدين وعلوم الدنيا، دون أن يكون بينهما صراع. اعتُبرت العلوم كلها وسائل لعبادة الله وخدمة الإنسان. التلميح، في زمن يتبارى فيه بعض المتدينين على تخويف الناشئة من العلوم التجريبية، تلميحٌ ثقيل.
💬 التعليقات (0)