ليس فوز مروان البرغوثي في المرتبة الأولى لانتخابات اللجنة المركزية لحركة فتح في مؤتمرها الثامن حدثًا تنظيميًا عابرًا، ولا مجرد نتيجة صندوق اقتراع داخلي في مؤتمر حزبي، إنه في المعنى العميق، تصويت وطني وسياسي وأخلاقي من شعبٍ يفتش عن صورته المفقودة في زمن الهزيمة والانقسام والجوع والحصار والإبادة.
رقم واحد يقبع في الزنزانة، لكنه طليق وعميق في الوجدان الشعبي الفلسطيني، خرج من النسيان والغياب الطويل ووصل قاعة المؤتمر بلا قيود وبلا حراسة، صافح الناس وعانق رام الله، وصلى على أرواح الشهداء صلاة الغائب الحاضر، وقرا الفاتحة على ضريح الرئيس الشهيد ابو عمار، ورايناه يرفع قبضتيه تحية إلى غزة.
حين يصوّت الفلسطيني للأسير، فإنه لا ينتخب شخصًا فقط، بل ينتخب الفكرة التي لم تُهزم، ينتخب الحرية ويطرد السجان من كل مكان، يعيد الاعتبار لشرعية ومكانة المناضلين كاسرى حرية ومحاربين في سبيل الكرامة وحق تقرير المصير، ويكتب في ورقة الاقتراع: أن الأسير ليس صوتا في صندوق انتخابي، وانما مشروعا تحرريا لن يتوقف حتى يزول الاحتلال، أنه صوت العدالة الغائبة، صوت الثائرين على الجدران الكثيرة، والاسلاك الشائكة التي امتدت إلى العقل والفكر والروح، وحشرت شعبا كاملا خلف آلاف البوابات الحديدية.
رقم واحد اسمه مروان البرغوثي، يتعرض للضرب والقمع والعزل على مدار خمسة وعشرين عاما واكثر، اول من اسس اكبر أكاديمية علمية خلف القضبان، واول من نزع الارقام عن قمصان السجناء وسلمهم شهادات جامعية، واول من اسس دولة مستقلة في السجون وسلطة ثورية بديلا لسلطة السجان، واول من حاكم دولة الاحتلال ووضعها كدولة مجرمة في قفص الاتهام، واول من تمرد على نظام صهر وعي الاسرى وتجزئتهم وافسادهم وتحويلهم إلى مجرد مستهلكين في دوائر الفراغ، أنه مروان البرغوثي الذي تتجند دولة كاملة لابعاده عن مركز الفعل والقرار.
انتخبنا مروان البرغوثي، انتخبنا الحياة الكريمة النقية، من يشبهنا، من لا يجلس في مكتب محاطا بطبقة سميكة من الامتيازات والشكليات، انتخبنا الكرامة المؤجلة، عودة الرمز في زمن الانهيار، انتخبنا الفقراء والجائعين والشهداء والمعذبين وصوت غزة الذبيحة، وصوت المشردين والمخيمات، انتخبنا الحنين الاول بوصفه حضورا أعلى من الضجيج السياسي اليومي.
كان مروان موجودا في ساحة المؤتمر، رأيته في وجوه مئات الاسرى المحررين، يتفقد اثار التعذيب على اجسادهم، التجويع والضرب والاذلال، وفي عيونهم تقدح اسئلة كثيرة، وفي حديثهم ذكريات دامية لا يفهمها الا من كان هناك في القبور الاسمنتية، وكانوا يتعانقون، لقد نجوا من الابادة، وكانوا يبكون على أصدقائهم الذين قتلوا ولا زالوا في الثلاجات الباردة، وكانوا خائفين من مشهد السجن الأكبر حيث المداهمات والملاحقات وعربدات المستوطنين والاعدامات، ويتهامسون إن كان هذا المؤتمر حرا بما يكفي عودتهم إلى بيوتهم سالمين.
التعليقات (0)