الحالة الفلسطينية ليست مجرد صراع سياسي تقليدي بين شعب واقع تحت الاحتلال ودولة تمتلك تفوقًا عسكريًا هائلًا، بل تبدو كواحدة من أعقد المعضلات التي مرت على البشرية الحديثة؛ لأنها لا تقوم فقط على الأرض والحدود والسلاح، بل على شبكة متداخلة من التاريخ والخوف والذاكرة والهوية والتناقضات النفسية والسياسية التي جعلت كل طرف، بطريقة ما، انعكاسًا للطرف الآخر، ومتأثرًا به حتى في أكثر لحظات العداء.
في كل الشعوب التي عاشت تحت الاحتلال، أو على حافة الاقتلاع، ظهر السؤال نفسه بصيغ مختلفة: كيف يمكن البقاء دون الاستسلام؟ وكيف يمكن المقاومة دون الانتحار الجماعي؟ لكن في الحالة الفلسطينية يصبح هذا السؤال أكثر قسوة وتعقيدًا، لأن الفلسطيني لا يواجه فقط احتلالًا عسكريًا، بل يواجه دولة مليئة بالتناقضات الداخلية، ويواجه عالمًا متغيرًا، ويواجه في الوقت نفسه خوفه من ضياع قضيته إن طال الانتظار، وخوفه من أن تؤدي المواجهة المفتوحة إلى استنزاف المجتمع نفسه.
ومن هنا وُلد الانقسام العميق داخل الحالة الفلسطينية بين من يفضّل “الصمود طويل المدى وتقليل الخسائر”، ومن يرى أن “الضغط المباشر” ضرورة حتى لو كانت الكلفة عالية. وهذا الانقسام لم يكن خلافًا بين خيانة ووطنية، أو بين شجاعة وجبن، بل بين قراءتين مختلفتين لمعنى البقاء ومعنى التحرر تحت اختلال هائل في ميزان القوة.
أنصار الصمود الطويل ينطلقون من قراءة باردة للواقع. هم يرون أن الاحتلالات لا تنهار دائمًا عبر الانفجار المفاجئ، بل أحيانًا عبر التآكل البطيء. يعتقدون أن إسرائيل، خصوصًا حين تحكمها حكومات متشددة، تمتلك قدرة هائلة على تحويل أي مواجهة عسكرية واسعة إلى كارثة إنسانية على الفلسطينيين، وأن الطرف الأقوى عسكريًا يريد غالبًا جرّ خصمه إلى ميدان يعرف مسبقًا أنه يتفوق فيه. لذلك يرون أن الحكمة ليست في خوض كل معركة، بل في معرفة أي المعارك يمكن النجاة بعدها.
في نظرهم، البقاء نفسه مقاومة. أن تبني مدرسة تحت الحصار مقاومة، وأن تمنع الانهيار الاجتماعي مقاومة، وأن تحافظ على المجتمع حيًا رغم كل محاولات الإضعاف هو شكل من أشكال الانتصار البطيء. هؤلاء يخشون أن تتحول الشعارات الكبرى إلى وقود لحروب لا تغيّر ميزان القوى، لكنها تغيّر حياة الناس إلى الأسوأ لعقود طويلة. لذلك يفضّلون التراكم الهادئ: بناء المؤسسات، تحسين الاقتصاد، الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار، وتجنب الانفجارات الكبرى التي قد تعيد المجتمع سنوات إلى الخلف.
لكن هذه الرؤية تواجه اتهامًا دائمًا بأنها قد تتحول تدريجيًا إلى إدارة للهزيمة بدلًا من مقاومتها. خصومها يقولون إن الاحتلال لا يفهم لغة الصبر وحدها، وإن القوة المهيمنة حين لا تواجه ضغطًا حقيقيًا تتمدد أكثر وتصبح أقل استعدادًا لأي تسوية. بالنسبة لهم، الحديث عن “تقليل الخسائر” قد يتحول بمرور الوقت إلى قبول غير معلن بالأمر الواقع.
💬 التعليقات (0)