أمد/ ليست كلُّ الكلمات التي تُقال في السياسة تمرُّ مرورًا عابرًا، فبعضُ التصريحات تحملُ داخلها زلازلَ تنظيمية ورسائلَ أعمق من ظاهرها، خصوصًا حين تصدر عن قائدٍ تاريخي بحجم عباس زكي، الرجل الذي عايش تفاصيل الثورة الفلسطينية منذ بداياتها، ويعرف جيدًا كيف تُبنى الحركات وكيف يمكن أن تتآكل من الداخل.
وحين قال عبارته اللافتة: “انتظروا عودة فتح الرِّدة إلى فتح الأم الحقيقية” فإنه لم يكن يُطلق توصيفًا عابرًا، ولا يكتب جملة للاستهلاك الإعلامي، بل كان يعبّر عن أزمةٍ عميقة داخل البيت الفتحاوي، أزمة تتعلق بالهوية، والانتماء، وطبيعة المسار الذي وصلت إليه الحركة بعد سنوات طويلة من التحولات والصراعات الداخلية.
إن مصطلح “فتح الرِّدة” هنا لا يُفهم بالمعنى الديني، بل بالمعنى التنظيمي والسياسي؛ أي فتح التي ارتدت – وفق رؤية قائلها – عن بعض مبادئها الأولى، وعن روحها الثورية الجامعة، وتحولت في بعض مفاصلها إلى حالة من التنافس الداخلي، والإقصاء، وصراع النفوذ، والابتعاد عن نبض القاعدة الفتحاوية التي صنعت تاريخ الحركة بدمها وتضحياتها.
فـ حركة التحرير الوطني الفلسطيني – فتح لم تكن يومًا مجرد إطار تنظيمي يبحث عن السلطة أو المواقع، بل كانت مشروعًا وطنيًا تحرريًا حمل قضية شعب كامل، ودفعت في سبيله آلاف الشهداء والأسرى والجرحى والمنفيين. ولذلك فإن الخوف الحقيقي عند القيادات التاريخية لا يكون من الخصوم فقط، بل من لحظة ابتعاد الحركة عن ذاتها وعن فكرتها الأصلية.
حديث عباس زكي بدا وكأنه صرخة رجل يرى أن هناك فجوة تتسع بين “فتح الثورة” و“فتح الواقع الحالي”. بين فتح التي كانت بيتًا لكل المناضلين، وفتح التي يشعر كثيرون أن أبوابها أصبحت تضيق بأبنائها. بين فتح التي كانت توحّد الساحات، وفتح التي أنهكتها الانقسامات والتكتلات والحسابات الداخلية.
كانت تقدّم الكادر قبل الولاء الشخصي.
التعليقات (0)